فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 2524

تقول: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (176) (النساء) فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزلت: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (128) (التوبة) ، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (281) (البقرة) ، فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما. والسورة لذلك تسمّى سورة التوديع.

السورة مكية، وآياتها خمس، نزلت بعد الفاتحة، وترتيبها في المصحف الحادية عشرة بعد المائة، وفي التنزيل السادسة، وتسمى «سورة اللهب» ، و «سورة المسد» ، و «سورة تبّت» ، وكلها أسماء من السورة نفسها. وأبو لهب كان اسمه عبد العزّى، وكان عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وامرأته هي أم جميل وكانت أخت أبى سفيان، وكما غلبت عليها كنيتها: «أم قبيح» أو «العوراء» ، كما غلبت على زوجها كنيته: «أبو لهب» ، فقد كان غضوبا فيحمر وجهه كاللهب، فكان اسمه أشرف من كنيته، وحققت له الكنية نسبته بأنه من أصحاب النار، بل وأبّ لها، فكانوا يتطيّرون به لهذا السبب، أو أنهم كانوا يتطيّرون به فسمّوه لذلك أبا لهب، وكانت زوجته شديدة العداوة للنّبي صلى الله عليه وسلم، وسبّه أبو لهب مرة وقال له: تبا لك! فنزلت: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (1) ومعناها خسرت يداك، وضلّ سعيك وعملك، وتبّ الثانية أي وتحقق هذا فعلا. وكانت امرأته تسيء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فتقول فيه إنه: مذمّم وليس محمدا، باعتبار مذمم هي النقيض لمحمد، وكانت تمشى بين النساء تحمل له الذمّ، وتنمّ عليه، فقد توعدها الله بأن تحمل الحطب، وأن تربط من عنقها بحبل من المسد أو الليف، وقد كان في عنقها عقد من خرز فباعته لتنفقه في عداوة محمد كما قالت. وكان من الممكن أن يعلن أبو لهب وامرأته إسلامهما بعد هذه السورة، ليظهرا كذب القرآن، وأن تقرير النار لهما هو دعوى لا غير، فلم يفعلا، وماتا على الكفر، فصدق فيهما القرآن، أنهما يصليان النار. وفي الإخبار عن كفرهما الدائم معجزة للقرآن، وقيل ماتت امرأة أبى لهب مخنوقة بحبل، ومات أبو لهب بالطاعون، وتركوه ثلاثة أيام حتى أنتن، يخشون العدوى، واجتمع أولاده على جثته يرشونها بالماء من بعيد، ورموا عليه ما يبعد عنهم العدوى، ثم احتملوه إلى أعلى مكة وردموا عليه بالحجارة. والدرس المستفاد: أن أعداء الإسلام ما يفيدون قط من عداوتهم للإسلام، وأنهم على الباطل وضد الحق، والباطل هو جحود الخالق وإنكار أنه الواحد، والحق أن ندين له بالعبودية ونشهد بوحدانيته، والحق يعلو ولا يعلى عليه، وإنّ ربّك لبالمرصاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت