فهرس الكتاب
ينكرون الله: من خلق ما يعبدون؟ لقالوا: الله! فلماذا كان إذن عزوفهم عن عبادته تعالى والإقرار بألوهيته؟ وتختتم السورة الكريمة بشكوى الرسول صلى الله عليه وسلم لربّه، يقول: يا ربّ، هؤلاء قوم لا يؤمنون - يقصد أهل مكة. ويعاندون ويتجبّرون! فيقول له ربّ العالمين: اعرض عنهم يا محمد وقل سلام - أي اصفح عنهم واتركهم لحال سبيلهم حتى القيامة، فحينئذ سيعلمون. قيل هذا الكلام في الصفح نسخته آية السيف وهو غير صحيح، فكلاهما عن شيء مختلف، والآية مع ذلك فيها وعيد وتهديد، مثلما فيها تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.
سورة مكّية، وموضوعاتها لذلك هي الموضوعات المكّية، ومنها: نزول القرآن من عنده تعالى على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى إله واحد، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسوله إلى الناس، وأن الآخرة حقّ، وما فيها من بعث وثواب وعقاب وجنة ونار حقّ؛ واختير للسورة اسم «الدخان» لأن الدخان من أهم وأبرز علامات أو أشراط الساعة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) (10) . والسورة نزلت بعد سورة الزخرف، وآياتها تسع وخمسون آية، وترتيبها في المصحف الرابعة والأربعون، وفي التنزيل الرابعة والستون. وهي خامسة السور السبع التي تبدأ بالحرفين المقطّعين حم، وهي على الترتيب: غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، ثم الدخان، فالجاثية، فالأحقاف؛ وتبدأ بالقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وليس كتاب أبين منه وأفصح في معانيه، وفي دعوته وأغراضه وألفاظه، وتؤرّخ السورة لنزول القرآن في «الليلة المباركة» ، «ليلة القدر» ، سلام هي حتى مطلع الفجر، واسمها أيضا «ليلة البراءة» ، أي البراءة أو الإبراء من الذنوب، والبراءة أيضا صكّ التثبّت بنزول القرآن بالأوامر والنواهى والأحكام إلخ، وتسمى هذه الليلة أيضا لذلك «ليلة الصّك» ، والصّك هو الكتاب، أي القرآن في تنزّله، وبسبب القرآن كانت هذه الليلة خيرا من ألف شهر: تتنزّل الملائكة فيها، بإذنه تعالى من كل أمر، وفيها يفرق كل أمر حكيم، ويقضى بالأرزاق، وبالموت والحياة، وبكل شيء بدءا من هذه الليلة إلى الليلة مثلها من قابل، وكان نزول القرآن في شهر رمضان: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة 185) ، وإذن فليلة القدر من ليالى شهر رمضان، وكان الليل ميقات القرآن، فمن قال أنها ليلة النصف من شعبان فقد كذب. وفي ليلة القدر أنزل القرآن كله من أمّ الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم تنزّل على النبيّ صلى الله عليه وسلم في سائر الأيام والليالى، نجما نجما، بحسب اتفاق الأسباب،