فهرس الكتاب

الصفحة 1028 من 2524

فى ثلاث وعشرين سنة. وفي السورة أن كل من يؤمن بالقرآن، يؤمن بالله، وأنه تعالى ربّ السماوات والأرض، وربّ العالمين، أي ربّ كل شيء وهو الذي لا إله إلا هو، يحيى ويميت، ومن يكفر به فذلك موعده الآخرة يوم العذاب الأليم، ويوم تمتلئ السماء بالدخان، ويغطى الأرض، فلا يكاد يتنفّس الناس، ويألمون أشد الألم، وتسمّى السورة يوم القيامة: «يوم البطشة الكبرى» ، ومعنى أنها الكبرى: أن الدنيا فيها بطشات صغرى، أي نكبات وعذابات، وبطشة يوم القيامة أو عذاب هذا اليوم - هي أكبر البطشات، ويوم القيامة إذن هو يوم العذاب الأكبر، وفيه وعده تعالى: (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (16) ، والانتقام عقاب، والنقمة من الانتقام، والفرق بين النقمة والعقاب، أن العقاب بعد المعصية، لأنه من العاقبة، أي يعقبها، والنقمة قد تكون قبلها أو بعدها، ولأنها البطشة الكبرى فهي العقاب النهائي أو الختامى، ولو قال تعالى أنها العقاب، فإن العقاب يقدّر، وأما الانتقام فهو غير مقدّر، رحمنا الله. وفي ذلك اليوم يصرخ الكافرون ويجأرون ويسترحمون، وأنّى لهم من يرحمهم؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءهم في الدنيا بكل بيان، واسمه «المبيّن» لأنه صلى الله عليه وسلم بيّن وشرح وفسّر، وأنذر وبشّر، ووعد وأوعد، فلم يتّعظوا، بل تولوا وقالوا ساخرين «معلّم مجنون» ! أي أنه يريد أن يقف منهم موقف المعلّم، ولكنه لا يعلمهم في الحقيقة شيئا لأنه مجنون، أي فاقد العقل. وتتوجه السورة بهذا الكلام لكفّار مكة، وتنذرهم بقوله تعالى: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (15) ، فهم في عذاب الكفر، ويكشفه الله قليلا طالما هم في الدنيا، ويمتّعهم قليلا، ثم يكون العذاب الأكبر يوم الساعة، يوم يعودون إليه، ويبعثون بعد الموت. وتضرب السورة ثلاثة أمثال لأقوام من الماضى، لعل كفار قريش يتّعظون، وفي القصص مع الكفر تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ورفع لروحهم المعنوية. وكانت أولى القصص عن قوم فرعون وبني إسرائيل، وفيها منى فرعون بالهزيمة، ونجا بنو إسرائيل؛ والقصة الأخرى مع الإيمان، وهي القصة الثانية: وهي قصة عناد وكفر أهل مكة لمّا أنكروا البعث، كقوله تعالى: (إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ(34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (36) ؛ والقصة الثالثة: هي قصة قوم تبّع والذين من قبلهم، ذكرتها السورة عرضا، وأطلقت على المنكرين أنهم كانوا مجرمين. وقصة فرعون وبني إسرائيل هي القصة الرئيسية، ورسالة موسى إلى فرعون أن يؤدّى إليه بني إسرائيل، وسمّاهم عباد الله، وسمّى نفسه الرسول الأمين، ووصف سلطانه من الله بأنه مبين، ووعظ فرعون أن لا يعلو على الله وحذّره من الاستكبار، وغلا فرعون وقضى في موسى بالقتل، فاستعاذ بالله أن يرجموه، وأنذرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت