فهرس الكتاب

الصفحة 1706 من 2524

الملك النبيّ سليمان آتاه الله من فضله، فقال لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) (النمل 16) ، ولم يقل «لغة الطير» ، لأن الطير لا لغة له، وإنما له حركات وسكنات، وأصوات وأوضاع، تأوّل معان بحسب منطق كل طائر. والمنطق هو ما ينطق عن حاله، وفي قصة سليمان مع الهدهد - وهو طير معروف، فإن هدهدته هي صوته، وحركاته برقبته وجناحيه، هي منطقه الخاص به، واصطلح أهل العلم على أن دراسة هذه الأصوات والحركات من علوم الطيور ويسمون علمها «علم منطق الطيور» ، ورئيس هذه الدراسات هو النبيّ سليمان. وقصة هدهد سليمان كما يطرحها القرآن من أجمل قصص الحيوان والطير. وكان العرب يعرفون التطيّر، ومن ذلك أن العرب كانوا يتطيّرون، وتطيّر فرعون وقومه من موسى فقيل عنهم: (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (الأعراف 131) ، والطّيرة وزجر الطير نوع من قراءة منطق الطير، فكان المتطيّرون يفزّعون الطير من وكناتها حتى تطير إما يمنة أو يسرة، فإن طارت يمنة استبشروا، وسمّوها لذلك السانح، يعني أنها تطير إلى اليمين أو تأتي منه، ونقيضه البارح وهو أن يفزع إلى اليسار أو يأتي من ناحية الشمال. ومن الطيرة التطيّر بصوت الغراب؛ والأصوات من نوع صوت الغراب، أو هديل الحمام، أو زقزقة العصافير، من منطق الطير، واختصّ به سليمان أولا. وقصة الهدهد مع سليمان تأتي في سورة النمل، وتستغرق تسع آيات، وهي من الأدب الرمزى، وقد يكون الله تعالى قد ضربها مثلا، وقد تكون قصة حقيقية، والصحيح أنها حقيقية، لأن سليمان كانت له الشخصية التي تمتاز بالحدس القوى، والملاحظة الشديدة، والفهم الدقيق الواعى، ومن ثم كان اهتمامه بدراسة هذا الباب من «علم الطيور Ornithology» . وتبدأ القصة لمّا تفقّد سليمان الطير، يطلب ما غاب عنه منه. والطير اسم جامع، والواحد طائر، والمراد به جنس الطير وجماعته. ولكن لماذا يتفقد الهدهد بالذات؟ قيل إنه طائر يعتمد على منقاره الطويل، ينقر به الأرض، وسليمان في رحلاته، قد تنقطع به السبل فيستعين بالطير أو الجن، والهدهد كان دأبه أن يرشد إلى مكان الماء في باطن الأرض. ولتفقّد سليمان للطير فقه من باب واجبات الحاكم أن عليه أن يتعرّف أحوال رعيته، ومثّل المسلمون الحاكم العادل بعمر بن الخطاب، فلو أن سخلة - يعني عنزة صغيرة - على ساحل الفرات، أخذها الذئب، لسئل عنها عمر! والهدهد مع صغر حجمه لم يخف حاله على سليمان، ولمّا تفقده ولم يجده، هدد بأن يعذّبه عذابا شديدا، أو ليذبحنه، أو ليأتينه بسلطان مبين يعني سببا مقنعا لغيابه. وأى عذاب يمكن أن يعذّبه ملك نبى لطائر مسكين كالهدهد، وإنما هو العدل، وهو أساس الملك، والحدّ على قدر الذنب لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت