فهرس الكتاب
والطفل إن تعلم ما لا يفهم يملّه ويزهد فيه، وأنسب الأعمار للبداية بالتعلّم في السن بعد السابعة، والبكور في التعلّم أدعى إلى ثبوت ما نتعلم ورسوخه، كما يقال: التعلّم في الصغر كالنقش في الحجر. ومنهج تربية الطفل يستحب له أن يترك أولا في ألعابه يتعلّم منها، ولأصحابه يتكيّف معهم، ثم يؤخذ بالجدّ على التدريج، ومع ذلك فالأمر في بداية الجدّ وكيفيته وكميته متروك بحسب كل طفل. ويروى عن ابن عباس أنه حفظ القرآن وقد ناهز الاحتلام وكان ختينا، ولم يكن الأوائل يختنون الطفل حتى يدرك، والاحتلام لا يكون إلا لمن قارب الثالثة عشرة من عمره.
في رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم زوّج صحابيا بما يحفظ من القرآن، وجعل مهر المرأة أن يعلمها الصحابى ما يحفظ منه. ولمّا سأله عمّا يحفظ من السور، قال له: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك» ؟ قال نعم، قال: «اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن» . وقد يكون معنى ذلك أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف، أو لاستثبات أنه يحفظ هذه السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمها لزوجته، وفي الحديث عن عبيد الله بن عبد الرحمن قال: «فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا، كفضل الفريضة على النافلة» ، ومن طريق ابن مسعود قال: «أديموا النظر من المصحف» ، لأن القراءة في المصحف أسلم من الغلط، ومع ذلك فالقراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء، وأمكن للخشوع، وعلى الجملة فإن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والمهم قراءة القرآن على أي حال، وكما في الحديث عند أبى داود عن أبي أمامة: «فإن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن» . والسبيل إلى الوعي بالاستذكار والتعاهد.
استذكار القرآن يعني المداومة على القراءة نظرا من المصحف، أو عن ظهر قلب، وفي الحديث عن ابن عمر: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» ، وعن عبد الله بن مسعود، قال: «واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النّعم» ، وفي رواية أخرى: «تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل من عقلها» ، وتعاهد القرآن يعني تجديد العهد به بملازمة تلاوته، وصاحب القرآن هو الذي يألفه بالمداومة على قراءته، فيذل له لسانه، ويسهل عليه
استذكاره، فإن هجره ثقلت عليه القراءة. والإبل المعقّلة المشدودة بالعقال أي الحبل، شبّه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير يخشى منه الشراد، وطالما أن التعاهد للقرآن موجود فالحفظ موجود، كما أن البعير طالما بقى مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخصّ الإبل بالذّكر لأنها أكثر الحيوانات الأليفة نفورا، وفي تحصيلها بعد شرودها صعوبة. وقوله أشد تفصّيا أي تفلّتا وتخلّصا، والإبل تطلب التفلّت ما أمكنها، فإن لم يتعاهدها بربطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلت. والمسلم الجيد إذن هو الذي يداوم على الاستذكار ما استطاع.
القراءة جائزة في كل مكان، بوضوء ومن غير وضوء، وفي الحمام، وفي الطريق، وعند البخاري، عن ابن مغفّل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح». وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطجع فنام حتى إذا انتصف الليل استيقظ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلى».
والشنّ هي القربة للسقاء. والقراءة مطلوبة، في الحمام أو غيره، والاستكثار منها مطلوب، وكل منا يكثر أن يأتيه الحدث، أفكلما كان الحدث توقفت القراءة ويفوت بذلك الخير الكثير. والمسلم الجيد لا يرى بأسا ولا كراهة بالقراءة في أي مكان.