بلا أب؛ فآلت إلى بني آدم كل وصايا عيسى من ربّه للتماثل بين آدم وعيسى. ثم تأتي آخر وصية وهي السابعة: أن يسأل الله دوما السلام لنفسه وللناس، وأن يسأل الناس الدعاء له بالسلام. فكما هو مطلوب منا أن نصلى ونسلم ونبارك على نبيّنا كلما ذكر اسمه، كذلك يلزمنا أن نسأل للمسيح السلام، فنقول: «عليه السلام» كلما ذكر اسمه، فالسلام عليه من تعاليمه لأتباعه، وللناس كافة من المؤمنين به رسولا نبيا. فهذه هي وصاياه تعالى للمسيح، ووصايا المسيح لنا سبع وصايا مباركات.
القدر من قدر ومقدرة، تقول قدر على الشيء قوى عليه، وقدر الله فلانا على كذا، يعني جعله قادرا عليه، ومنه القادر والقدير وهما من أسماء الله الحسنى. وإذا ذكر القدر ذكر القضاء وهو الفصل، من قضى يقضى أي حكم وفصل، فإذا كان القضاء هو الحكم فإن القدر هو القدرة على تنفيذ الحكم، وفي الآية: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (49) (القمر) أي بقدرة، وقوله: (وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (38) (الأحزاب) يعني نافذا لأنه يقدر عليه وهو القادر. وقيل: هاتان الآيتان نزلتا في القدرية وكانوا يخاصمون الناس في القدر، ولا شيء في الآيتين يمنع أن يكون الإنسان مخيّرا ومسئولا، وفي «افعل ولا تفعل» فإن الإنسان مخيّر ومسئول، ولمّا سأل أحدهم الرسول صلى الله عليه وسلم: أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم» ، قال: «فلم يعمل العاملون؟ قال: «كلّ يعمل لما خلق له - أو لما يسّر له» ، وفي هذا الحديث أن علم الله محيط وسابق، وليس فيه أدنى تشكيك أن الإنسان مخيّر ومسئول. ومثل ذلك الحديث، قيل: يا رسول الله، فيم العمل؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير؟ قال: «اعلم أن القلم جفّ بما هو كائن» ، والحديث كما ترى في علم الله السابق ولا يتعارض مع القول بمسئولية الإنسان وبحريته: أن يختار ويفعل عن اختيار. ومثله الحديث: «جفّت الأقلام وطويت الصحف» ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كلّ يعمل لما خلق له أو لما يسّر له» ، جميعها دليل على أنه لا قسر على الإنسان ولا جبر، إلا أن يعمل في حدود إنسانيته، وأن يفكر ويقارن، ويستنبط، ويستدل، ويختار لنفسه، وكلّ له اختياراته، وله تفكيره وسلوكه، وعمله أمارة ودليل وإشارة على ما سيئول إليه أمره، وأن من أراد لنفسه النجاة فعليه أن يبذل جهده، ويجاهد نفسه في عمل الطاعات والصالحات، كقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها(7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (8) (الشمس) ، أي عرّفها طريقى الفجور والتقوى، والطاعة والمعصية، ولها أن تختار لنفسها أيهما - كما تشاء، ثم قال بعد ذلك: