رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (53) (الأحزاب) ، وقالوا إنه سمّاع للناس، فرد تعالى عليهم يقول: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (61) (التوبة) ، ومن أذاهم قولهم فيه أنه «ساحر» ، و «شاعر» ، و «كاهن» ، و «مجنون» ، وشجّوا رباعيته ووجهه يوم أحد، وألقوا السلى (خلاص الحيوانات بعد ذبحها) على ظهره في مكة وهو ساجد، وطعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيى، وفي تأميره لزيد بن حارثة، ثم لأسامة بن زيد، ونزلت فيمن يؤذونه في زمنه أو مستقبلا، الآية العظيمة: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا) (57) (الأحزاب) .
ما كان محمد صلى الله عليه وسلم إلها، وما تميّز عن الناس إلا بأنه رسول، كقوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (188) (الأعراف) ، وهو رسول بشر، لا يملك أن يجلب إلى نفسه خيرا، ولا يدفع عنها شرا، إلا ما يشاء الله أن يملكه ويمكّنه.
في القرآن أن كل الأمم سواء، وأنهم جميعا أرسل إليها الرسل فحاولوا العدوان عليهم وألحقوا بهم الأذى، كقوله تعالى: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) (5) (غافر) ، قيل: «الأخذ» هو السجن والتعذيب، والعرب كانوا يسمون الأسير الأخيذ، أخذوه لتعذيبه أو فدائه أو قتله. وقيل الأخذ: هو الإهلاك، بمعنى القتل، يعني أن كل أمة حاولت قتل نبيّها، ونبيّنا حاولوا قتله عشر مرات كما سيجيء لاحقا. و «أخذ كل أمة لرسولها» ، يكون إما في أول الدعوة، وإما عند نزول العذاب بهم.
موسى كثيرا ما أوذي، وكذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا) (69) (الأحزاب) ، وموسى اتهموه بأنه آدر (يعني له خصية منتفخة) وأبرص، وأنه تزوج حبشية وحلل حراما، وأنه لم ينفّذ كلام ربّه في ضرب الحجر ليخرج منه الماء، وأنه شكّ في قدرة الله على أن يؤكل بني إسرائيل، ولم يعظهم قبل نزول السلوى، وأنه خاصم هارون ودعاه إلى الجبل ليقتله هناك. والنبيّ صلى الله عليه وسلم آذوه فكانوا يرفعون صوتهم على صوته، كقوله تعالى: (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) (2) (الحجرات) ؛ وكانوا ينادون عليه باسمه، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (4) (الحجرات) ، ويدخلون بيته بلا استئذان، كقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ) (53) (الأحزاب) ، وقالوا إذا مات محمد سنتزوج أزواجه، فنزلت الآية: (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا