فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 2524

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها(9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (10) (الشمس) أي قد فاز من زكّى نفسه بالطاعات، وخسر من دسّ نفسه في المعاصي وأضلّها وأغواها، فالإنسان هو المسئول، وله الخيار، والله قد هداه النجدين، ولذا فإنه صلى الله عليه وسلم لمّا سئل: ألا نتكل؟ قال: «لا، اعملوا فكل ميسّر» : ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (10) (الليل) أي أن الهداية ضربان: هداية دلالة، فيدل الله بأنبيائه وكتبه على الحق والخير، وهداية معونة، فيعين من يريد السير في طريق الحق وأن يتوخى الخير، وهو معنى نيسّره لليسرى أو للعسرى بحسب اختياره. وهذا جميعه من قدر الله، أي بتقديره، والإيمان بالقدر هو أن نؤمن بكل ما سبق.

قال الجبرية في الآية: (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) (56) (هود) : أن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، وبصر الخالق قد نفذ في جميع حركات الخلق، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها، والإنسان على ذلك مجبر ومقدور عليه قدره، ولا قدرة له أصلا، لا مؤثرة، ولا كاسبة، بل هو بمنزلة الجمادات! والصحيح أن الآية تعنى أن الله لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه، وأنه خلق الخلق ويقدر على كل شيء، ومن قدرته تعالى أن جعل الاختيار في التكاليف والأعمال للإنسان، وهو حرّ، وبناء عليه فهو مسئول، ويتهافت على ذلك فهم القدرية وتفسيرهم للآية.

هو تفسير الآية: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا) (51) (التوبة) ، ونحن لا حيلة لنا ولا اختيار في أبوينا، وبلاد ميلادنا، وأشكالنا التي نحن عليها، وما لنا من قدرات وملكات، ومن ذكاء وسمات، فهذه جميعها من أفعال الله، كتبها على عباده ولم يقدرهم على كسبها، ودون ذلك مما يدخل في التكاليف فهو من أفعال البشر، وباكتسابهم لها مختارين. والقضاء الممضى يشمل هذه الأفعال الأولى، وهو مضمون الآية.

الدعوة إلى الله لا تكون إلا باللين، بقوله تعالى لموسى وهارون: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت