وظل كذلك أسبوعا، ثم مات الصبي، فقام وادّهن، وارتدى ثيابه، ودخل بيت الربّ فسجد، وعاد إلى بيته فأكل، وحار فيه عبيده وقالوا له: لمّا كان الصبي حيا صمت وبكيت، ولمّا مات قمت وأكلت؟ فقال: لما كان حيا صمت وبكيت لعله يشفى، فلما مات، فلماذا أصوم؟ هل أستطيع أن أردّه؟ وعزّى امرأته بتشابع وضاجعها، فحملت وولدت ابنا سمّاه سليمان! (2 ملوك 11) .
فهذه هي قصة التوراة عن داود مع بتشابع امرأة أوريا، وما فعله ليصل إليها، وكيف بنى بها وأنجب منها سليمان، وداود فيها زان، ومصرّ على الزنا، وابنه سليمان ابن سفاح؛ ورواية القرآن نقيض ذلك تماما، وتصوّر مجمل القصة أجمل تصوير، وتختصرها بلا إخلال، وتركز أحداثها، ثم تستنبط الدروس المستفادة من القصة وتنبّه إليها، فلولا أن الله غفور لكان داود قد لحقه دمار أي دمار بما فعل، ولكن حسناته كانت أكثر من سيئاته، وكان به علم وحكمة برغم كل شيء، وتكفيه المزامير شفيعا له عند ربّه.
يأتي في القرآن عن داود والزبور قوله تعالى: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) (163) (النساء) ، وقوله: (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) (55) (الإسراء) ، والزبور عموما هو «الكتاب» من زبرت أي كتبت، تقول: أنا أعرف تزبرتى، أي كتابتى؛ والجمع «زبر» كقوله تعالى: (جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) (184) (آل عمران) ، وقوله: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) (52) (القمر) . والزبور تقرأ مفتوحة الزاى أو مضمومة، والأصل في معناها أنها تفيد التوثيق، أي أن الزبور هو الكتاب الموثق المضمون. وقيل: الزبور من الزّبر وهو الزّجر، تقول: زبرت الرجل أي انتهرته، وزبرت البئر أي طويتها بالحجارة. والزبور: هو الكتاب الصعب غليظ الكتابة. وقيل: الزبور ككتاب مقصور على الحكم العقلية دون الأحكام الشرعية؛ والكلمة بحسب الأصول الأجنبية هي مزمور، والجمع مزامير، وهي الأناشيد التي تغنّى بمرافقة المزمار، وكانت هذه الآلة أيام داود، وكان يحب أن ينفخ فيها ويغنى بمرافقتها. ويتألّف المزمار من سبع أو ثماني قطع من القصب مختلفة الطول، وأكثر ما يستخدمه الرعاة في الإنشاد أو الغناء في الوديان. والمزمور له شكل الدعاء أحيانا وأحيانا أخرى له شكل الموال، والكثير من دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم كأنه مزامير يصحّ الإنشاد أو التغني به.
ومزامير داود سفر من أسفار كتب العهد القديم، واليهود يسمونه سفر المزامير، أو كتاب الحمد، ودعاه المسيح كتاب المزامير، واشتهر باسم مزامير داود، وورد به 150