فهرس الكتاب
الملائكة والنبيين منزلة الأرباب، فيعظّمونهم ويقدّسونهم كما يفعل النصارى واليهود، فالنصارى هم الوحيدون الذين يلقّبون بعض قساوستهم بصاحب القداسة فينسبون لهم صفة لله، وينسبون للمسيح أنه ابن الله. واليهود يمجّدون ذواتهم ويعظّمون شعبهم، ويجعلون من بعض أنبيائهم أربابا على الحقيقة، مثل النبى إيليا، وينتظرون عودته إلى الأرض ليحكم بين الناس. ولذلك ظن اليهود أن محمدا أراد منهم أن يكونوا معه مثلما هم مع بعض أنبيائهم، وأن يتّخذوه ربّا، فنزلت (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ) - إلى قوله: (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (80) (آل عمران) ، على طريق الإنكار والتعجب من فعل اليهود عموما والنصارى خصوصا، ونهى القرآن أن يكون التأليه هو تقدير النبوة عند الناس، وألزم الخلق حرمتهم. وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهيه ألبتة أن يعامل الناس أحدا كإله، وأمر الجميع فقال: «لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى، وليقل فتاى وفتاتى. ولا يقل أحدكم ربّى وليقل سيدى» ، فهذه هي اشتراكية الإسلام أو عدالته الاجتماعية: لا تأليه لأحد، ولا أحد فوق المساءلة!
في الآية: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (6) (آل عمران) تعريض بل تصريح: بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر، لأنه صوّره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها كما تزعم النصارى، وقد تقلّب في الأحشاء، وتنقّل من طور إلى طور، حتى استوفى شهور الحمل التسعة، كما قال تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) (6) (الزمر) ؟
يقول النصارى في «قانون إيمان الرسل» : «أؤمن بالله العظيم، خالق السماوات والأرض، وبيسوع ابنه الوحيد، ربّنا الذي حبل به من الروح المقدس، وولد من العذراء مريم» .ويقولون في قانون الإيمان النيقاوى: «بالحقيقة نؤمن بإله واحد: الله الأب، ضابط الكل. ونؤمن بربّ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق - واحد مع الأب في الجوهر، ونؤمن بالروح القدس الربّ المحيى، المنبثق من الأب، نسجد له ونمجّده مع الأب والابن .. » .