الطيّب من النساء» أي «من الحلال» ، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) (23) (الشعراء) ، فأجابه موسى وفق ما سأل. وإذن فلا إشكال.
قال المستشرقون إن الآية فيها اضطراب في المعنى، والتقديم والتأخير في بعض عباراتها أخلّ بالمفهوم، والصحيح أن الآية لا إشكال فيها، فهي من أقوال اليهود يعظون قومهم بمعنى: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجيكم المسلمون بما يعرفون عن دينكم منكم، لأنهم لا حجة لهم فأنتم أصحّ منهم دينا. - وأما: (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) فهي جملة اعتراضية تنتقد ما يقولون. - وربما المعنى: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، لأنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. - أو أن المعنى: لا تصدّقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. ثم يقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) . ويحتمل أن الآية كلها خطاب للمسلمين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم، والتشحيذ لبصائرهم، ويكون المعنى: لا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين، ولا تصدّقوا أن يحاجيكم في دينكم عند ربّكم من خالفكم، أو يقدر على ذلك، فإن الهدى هدى الله، والفضل بيده تعالى. - وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود والنصارى يحاجّونا عند ربّنا، فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين، فيقول: هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإن ذلك فضلى أوتيه من أشاء» .
504 -إشكال الآيتين: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) و (هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ)
قال المستشرقون: إن الآية: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) (90) (آل عمران) مشكل، لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) (25) (الشورى) فكيف ذلك؟
والجواب: أنه لا إشكال وقد سبق الجواب في رقم 169، ففي قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) ، المقصود عند الموت، كما في قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (18) (النساء) ، وفي الحديث: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أخرجه الترمذى. والتوبة ما لم تكن بنية صحيحة فهي توبة غير مقبولة، لأنه لم يصحّ عزم أصحابها، وهو تعالى يقبل التوبة إذا صحّ العزم.