العاتى في غير حق.
(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ(224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (226) : هذا أوجز كلام عن الشعراء وأحوالهم.
(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (34) : هو قول في الملوك والطغاة صار مثلا، وهو قول بلقيس ملكة سبأ، يعني أنهم إذا فتحوا بلدا وغزوها أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وصدق الله تعالى على كلامها وقال: (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) .
(قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (47) : يقال اطيّرنا بك: تشاءمنا؛ والطيرة: هي الشؤم والنحس، وما يتشاءم به، ولا شيء أضر بالرأي، ولا أفسد للتدبير من اعتقاده الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة، أو نهيق حمار، أو مواء قطة، أو نعيق غراب، يردّ قضاء، أو يدفع مقدورا، أو ينبئ عن معيبة، فقد جهل:
طيرة الدهر لا تردّ قضاء ... فاعذر الدهر لا تشبه بلوم
أى يوم يخصّه بسعود ... والمنايا ينزلن في كل يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود ... ونحوس تجري لقوم فقوم
والطيرة: من زجر الطير، جمع طائر، وكان الناس قديما إذا أرادوا السفر نفّرت طائرا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: «أقرّوا الطير على وكناتها» ، والوكنات بضم الكاف وسكونها جمع وكنة بالسكون، وهي عش الطائر ووكره، وفي القرآن: (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (47) ، وهؤلاء كانوا قوم النبيّ صالح، والرّد على من يقول ذلك هو كما في الآية: طائرك عند الله، أي ما قد يأتيك من المصائب ليس من عندى بل من عند الله. أو تقول: طائرك معك، يعني هذا قدرك وقضاؤك، أو هذا من تصوّرك وتخيّلك وليس منى، كقوله تعالى: (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ(18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (19) (يس) يعني أكلما ذكّرتم تطيّرتم؟! وأما قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء 13) فهذا مثل آخر، يعني: أن عمل كل إنسان، وما قدّر له من الخير والشر يلازمه أينما كان. يعني ما يطيّر من خير أو شر على التمثيل، يلزمه في عنقه كما تلزمه القلادة،