بلسانها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون الأولون» . والقول بشهادة هذه الأمة الوسط، لأن وسطيتها تعنى عدولها، ولا تكون الشهادة إلا للعدول من الناس، أي المعروف عنهم العدل، وبإجماعهم، يعني أن يشهد ثقات العصر ككل على من بعده من العصور، فقول الصحابة حجّة على التابعين، وقول التابعين حجّة على من بعدهم، وهكذا.
فى الحديث عند البخاري عن ابن عمر: بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» وهذه الخمس هي الأركان، أو الأصول، وتستفاد من الآيات المتناثرة في القرآن، كقوله تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (آل عمران 18) ، وقوله: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) (المنافقون 1) ، وقوله: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) (إبراهيم 31) ، وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (البقرة 43) ، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) (البقرة 183) ، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران 97) . والركن الأول هو أهمها جميعا، لأن الأربعة الأخرى سواه مبنية على الشهادة، فلا يصحّ شيء منها إلا بعد الشهادة، ومجموعها غير من حيث الانفراد، وهي عين من حيث الجمع، ومثال ذلك بيت الخيمة، يجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسط، والبقية أركان، وما دام الأوسط قائما فمسمى البيت موجود ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، والأساس فيه يسمى الأسّ، وغير الأساس هو الأركان، وهي تبع وتكملة. والمراد بالشهادة: تصديق الرسل فيما جاءوا به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات، كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمل الصالحات؛ واقتصاره على هذه الخمس من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول قرأت الحمد وتقصد الفاتحة، أو تقول: شهدت بمحمد وتريد جميع ما ذكر. وإقامة الصلاة تعنى المداومة عليها، أو مطلق الإتيان بها؛ وإيتاء الزكاة إخراج جزء من المال على الوجه المخصوص لذلك؛ والحج: قدّم في الحديث على الصوم، وعند مسلم قدّم الصوم على الحج، ولما قال رجل لابن عمر: والحج وصيام رمضان، قال له: لا، «صيام رمضان والحج» ، هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والخلاصة: أن الحديث يخصص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن، فمن يباشر ما عدّده الحديث فإسلامه صحيح، ومن لم يباشره لم يصحّ إسلامه، وهذا العموم