فهرس الكتاب

الصفحة 1520 من 2524

النفس تجاه شيء بعينه يكون المدار عليه في الحلم. والرؤيا الصادقة إذا رآها غير المؤمن تكون على الندور والقلة، وإنه لأمر ذو بال أن تأتي أحلام فرويد - وكان كافرا حتى بإله اليهود - خالية من أية رؤى، وكذلك تلاميذه جميعهم. والرؤيا لكي تضاف إلى الله وتحسب كرؤيا نبوية لا بد أن تخلص من الأضغاث والأوهام، والضّغث الشيء المتضاد، والرؤيا العادية ثلاثة أصناف: فبعضها أهاويل نفسية عن رغبات مكبوتة، وبعضها رغبات صريحة من النهار لم تتحقق في اليقظة فكان النوم فرصة لها تتحقق فيه، وبعضها أجزاء من النبوّة تتفاوت الرؤيا عن الرؤيا فيها، ومن ولى إلى ولى. والرؤيا مصدر «رأى» في المنام، وأكثر ما تكون في آخر الليل لقلة غلبة النوم فيه، ولذلك لا يرى الرائي إلا ما يصح إدراكه أو تأويله، كأن تكون صورة محسوسة، وأمثلة موافقة لواقع النائم أو لواقع الوجود، وتارة تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مبشّرة أو منذرة، ومنها ما يظهر معناه أولا فأول، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكّر، وقد رأى يوسف الكواكب والشمس والقمر تسجد له فأوّلها بإخوته وأبويه، ورأى الفرعون البقر والسنابل، فأوّلها يوسف بالسنين أي الجدب. ولا يعتدّ بأن يوسف كان صغير السن وقت تأويل هذه الرؤيا وغيرها، فالرؤيا تكون من الصغير كما تكون من الكبير، والإدراك فيها كالإدراك في اليقظة، والاختلاف في نضج الإدراك بحسب السن. ولا ينبغي أن يعبّر الرؤيا إلا من يحسن تعبيرها، وآيات رؤيا يوسف كلها تنبئ بأنه نبيّ، وأن رؤياه وتفسيرها هي رؤيا وتفسير نبيّ، وذلك لجلائها، ولأنها عن حق ولا تقول إلا الحقّ.

لما اتّهم بنيامين أخو يوسف بسرقة صواع الملك، دافع إخوة يوسف عن أنفسهم ليبرءوا من فعلة أخيهم، فنسبوا فعلته إلى اقتدائه بأخيه الشقيق يوسف، لأن بنيامين كان أخوهم من الأب فقط، وقالوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) (77) (يوسف) ، يعني أنه إن كان قد سرق فالسرقة تجري في دمه من أخيه - يقصدون يوسف، لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق. وما كان يوسف سرّاقا كما ادّعوا، ولكنهم اعتسفوا اتهامه تبريرا لبغضهم له ولأخيه الشقيق، وكانوا جميعا أولاد ضرائر، وداء الضرائر هو البغض والتحاسد. وقيل: إن عمة يوسف أرادته في صغره أن يكون في صحبتها، فدبّرت أن يبدو كما لو كان قد سرق بعض ما يخصّها وأخفاه في ملابسه، وتبعا لشريعتهم فإن السارق يسترقه المسروق منه، فضمنت أن يلحق بها يوسف ويستمر في العيش معها. وقيل إنهم قالوا في يوسف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت