فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2524

العجز الجنسي، وأنكروا نبوة عيسى واضطهدوه واضطهدوا الحواريين؛ والنصارى غلوا في التوراة، فأبطلوا الكثير من الناموس، وغلوا في عيسى فجعلوه إلها، والغلو هنا وهناك، سواء كان إفراطا أو تقصيرا، كله سيّئ وكفر، ولذا قال الشاعر:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفى قصد الأمور ذميم

وقال آخر:

عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا

وفي صحح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى؛ وقولوا عبد الله ورسوله» .

اليهود والنصارى كلاهما يدّعى أنه على الحق والثاني على الباطل، كقوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) (البقرة 113) ، واليهود ينكرون الأناجيل تماما، وبعضهم ينكر أنه وجد أصلا نبيّ باسم عيسى أو يسوع، والنصارى أنكروا على الفريسيين، وهدموا الناموس، وأبطلوا السبت، وقالوا إن الربّ يدين اليهود، وأن الشريعة للخطاة فقط، وأنه في الآخرة بعث وحساب، وجزاء وعقاب، وجنة وجهنم، على خلاف ما يقول اليهود.

معنى الابتداع في حالتي اليهود والنصارى أنهم أوجدوا شيئا غير مسبوق ففصلوا بين الإيمان بالله وبين التصديق برسله، وآمنوا ببعض رسله وكفروا ببعضهم، فقال تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا(150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) (النساء) ، فاليهود كفروا بعيسى ومحمد، والنصارى كفروا ببعض موسى وبمحمد، فنصّ الله تعالى على أن التفريق بين الله ورسله كفر، لأنه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكان جحدهم كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك الطاعة. وكان دينهم لذلك دينا مبتدعا طالما حقيقته الجحد. وأما المسلمون فقد علّمهم الله حقيقة الإيمان فقال لهم: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت