المثل: أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن. (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) (22) : هذه الآية تضرب مثلا لإثبات القدر، وترك بسببها جماعة من المسلمين الدواء لعلاج أمراضهم فلم يستعملوه، ثقة بربّهم وتوكلا عليه، وقالوا: لقد علم المرض والصحة، فلو حرص الخلق على تغيير ذلك ما قدروا. والصحيح أن الآية متصلة بما قبلها من أمر ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، فهوّن المصاب عليهم وبيّن أنهم لو ظلوا في بيوتهم لأصابهم كذلك ما أصابهم، فما هو مقدور لا مدفع له، وقال بناء على ذلك: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) (23) ، فطالما عرفوا أن الرزق والآجال والصحة والمرض قد فرغ منها لم يأسوا على ما فاتهم. وفي الحديث: «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» ، فالله تعالى خلق الأسباب وجعل لها نتائجها، فإن أخذنا بالأسباب توافقت النتائج مع قدر ما أخذنا به منها، فهكذا كتب الله، فلما أخذوا بالأسباب انتصر المسلمون في بدر، ولمّا تركوا الأسباب في أحد انهزموا، ولكل مجتهد نصيب، والكتاب هو كتاب الأسباب، وما يصيبنا من مصائب يعلمه الله قبل وقوعه، وهو في الكتاب، لأن سبق العلم له سبحانه.
(وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) (23) : مثل للمتكبّر بما أوتى من الدنيا، الفخور به على الناس؛ والمختال: الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار؛ والفخور: هو الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدّع.
(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ(16) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) (17) : والمثل أصلا للمنافقين حلفاء اليهود، لمّا تخاذلوا عن نصرتهم بعد أن وعدوهم أن يقاتلوا معهم ويخرجوا إذا خرجوا؛ والمثل يضرب بشكل عام لأهل النفاق إذا وعدوا وأخلفوا. (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) (21) : هذا مثل يضرب للناس: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) (21) والخطاب للإنسان عامة، يعني أن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدّعت من خشية الله، وهذا الإنسان أقل قوة من الجبال، ومع ذلك فهو أكثر بهتانا، ولا يخشى الله وكذّب بالقرآن.