فهرس الكتاب
والطين، والعامة تسمى هذا الأثر «زبيبة الصلاة» ، وقيل هي أثر في الجبين نتيجة الطمأنينة في الصلاة على الحصير، وقيل: هي بياض الوجه بالإيمان، والمؤمن سمت وجهه حسن، وقد يكون بمقاييس الجمال قبيحا، وإنما له نور يشع من وجهه. وقيل: السيما صفرة وجوه المؤمنين من طول قيام الليل، حتى لتراهم فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى، يصلون الليل فإذا أصبحوا رؤى ذلك في وجوههم، ومن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، ومثلهم في القرآن والتوراة والإنجيل، كزرع أنبت فتخرج منه السنابل بالعشرات. والمثل يعني أن المؤمنين يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون، ولما دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم للإسلام لم يؤمن به إلا قلة، وازدادوا وتضاعفوا حتى صاروا في كل أنحاء الدنيا، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا ثم يقوى حالا بعد حال، حتى يغلظ نباته ويفرخ، يعني ينبت الحبّ والثمار، وفي كثرة المسلمين الآن ما يغيظ المشركين واليهود، ويشد أزر الضعفاء منهم وحيثما كانوا قلة، فمثلهم كمثل الزراع يعجبهم زرعهم لما اشتد، وكذلك المسلمون، بارك الله فيهم وقاتل الله من يدعو إلى تقليل نسلهم، وينشر بينهم المرض والفقر، ويستعمر بلادهم، فاحذر يا أخي دعوات أمريكا وغيرها تحت ستار تنظيم النسل وغير ذلك، والله المستعان.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (10) : مثّل المؤمنين في أخوّتهم بالإسلام بالإخوة بالنسب، مع ملاحظة أن أخوّة النسب يمكن أن تنقطع بمخالفة الدين، وأما أخوّة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب، وعلى ذلك إذا تخاصم المسلمان فالواجب أن نصلح بينهما. والأخوان هما كل مسلمين، أو طائفتين، وقيل أريد بهما وقت نزول الآية الأوس والخزرج. وفي الآية دليل على أن البغى لا يزيل الإيمان، فرغم بغى إحدى الطائفتين سمّاهم مؤمنين. وحالهم أنهما أخوان بغى أحدهما على الآخر وليسا منافقين ولا مشركين.
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا؟) (12) : مثّل الله الغيبة بأكل الميتة، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه. وإنما ضرب الله هذا المثل للغيبة، لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين، وقبيحة في النفوس. فكما يمتنع أن يأكل أحدكم لحم أخيه ميتا، فكذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيّا، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة. وفي الحديث: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» ، فشبّه الوقيعة بين الناس بأكل لحومهم.