دلالات بحسب الاستعمال، فصارت لها دلالات أخرى وافدة مع التطور. وقديما كانت من معاني كلمة «أدفأ» القتل؛ فصارت إلى معنى استجلاب الدفء، وتعددت المعاني لكلمة عين، فصار منها الجاسوس، وأعيان القوم هم كبراؤهم، وكانت العين قاصرة على آلة البصر وعلى البئر. وبالتلاحم، والتقارب، والتصاهر بين القبائل، والتجارة بين الناس، تواجدت لغة مشتركة يقاس إليها حسن القول، ولم تتوفر هذه اللغة إلا لقريش، لأنهم سكان مكة حيث الكعبة يتوافد عليها العرب جميعا للحج، فكانت مكة لهذا مركزا للتجارة، ومجمعا للقبائل، ينطلقون منها في رحلتى الشتاء والصيف. وكان القرشيون أهل حكمة ووقار، ويتحاكم إليهم المختصمون، ويقيمون الأسواق كسوق عكاظ، وفيها تعقد المضاربات، والمباريات في الشعر والخطابة بلغة قريش، ولم يكن بهذه اللغة عيوب لهجات البدو، كالعنعنة عند بني تميم، والتلتلة عند البهراء، والكشكشة عند ربيعة، والكسكسة عند مضر، والعجرفة عند الضبة، والاستنطاء عند أهل اليمن، والعجعجة عند قضاعة. ولم يكن القرشيون على مقربة من شعوب أخرى تؤثر على نطقهم وتدخل عليهم الغريب، فكانوا بعيدين عن لغات الأعاجم ولم يخالطوهم، فسلمت لغتهم، وذلك معنى قول أبي بكر: وقريش هم أوسط العرب في العرب دارا، وأحسنهم جوارا، وأعربهم ألسنة».
126 -الألفاظ الأعجمية: ما حكايتها في القرآن؟
وإلحاقا بما سبق، فإذا كان القرآن عربيا مبينا، لماذا هذه الألفاظ الأعجمية التي يزعم البعض أن القرآن يحفل بها؟ وحكاية هذه الألفاظ بزعمهم أن أعجميا كان يعلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولقد أجبنا على هذا الزعم الأخير ضمن «باب النبوة والقرآن» ، وبقيت حكاية الألفاظ الأعجمية. ومن الغريب أن هناك من المسلمين من أخذ عن اليهود، وذهب مذهبهم، وردد أقوالهم، مثل: عبد الله بن عباس، وتلميذه عكرمة، وهذان اشتهرا بالإسرائيليات، وتفسيرهما لآيات القرآن في الكثير خاطئ أيما خطأ. ومن الذين ذهبوا إلى إثبات الكلمات الأعجمية بالقرآن الزركشى، وقد جمع منها خمسا وعشرين كلمة، وكذلك السيوطي جمع منها 119 كلمة، وغير هؤلاء تاج الدين السبكى، وابن حجر، والأول زعم أن كلمات القرآن الأعجمية 27 كلمة، والثاني زعم أنها 24 كلمة، وأضاف الدكتور عبد الرحمن بدوى إلى ما سبق سبع كلمات أخرى، وكل هؤلاء ذهبوا إلى القول أن هذه الكلمات مصادرها يونانية، ولاتينية، وعبرية، وسريانية، وآرامية، وقبطية، وهندية، وحبشية، ونبطية، وتركية، وبربرية - ويسمونها أحيانا لسان أهل المغرب، وأحيانا لسان أهل إفريقيا، أو