التفسير، لأن الله يقول (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة.
ومن كل هذا التضارب كما ترى يتأكد أن حكاية الغرانيق من أراجيف رواة الإسرائيليات، وتلقّفها المستشرقون للتشنيع على الإسلام، أو أنها لو كانت قد جرت، فإنها لم تكن تعدو إشاعة أو تشنيعة، وفي علم نفس الإشاعات توصف أمثال هذه الإشاعة بأنها مستبشعة، ومن دأب العدو الذي يروّج لها أن يهوّل منها، فكلما زاد التهويل كلما كان للإشاعة مردود على الجماهير، ولو ببعض التأثير، ولن تكون عديمة التأثير أبدا، ومن تهويلهم في شأن حكاية الغرانيق - أنهم قالوا إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا عرف ما قال، ندم عليه وقال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل!
قال المستشرقون إذا كانت قصة الغرانيق في سورة النجم غير صحيحة، فلماذا كانت «آية الفتنة» إذن التي تقول: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا) (75) (الإسراء) ، أليس ذلك لأن قصة الغرانيق صحيحة، وتثبتها آية الفتنة؟ ويقول راوى الإسرائيليات سعيد بن جبير، المولود سنة 45 ه، والذي لم يحضر أيا من أسباب نزول القرآن: كاد النبيّ صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلمّ بآلهتنا (أى تزورها) . فحدّث نفسه (أى الرسول صلى الله عليه وسلم) ، وقال: ما عليّ أن ألمّ بها بعد أن يدعونى أستلم الحجر، والله يعلم أنى لها كاره؟ فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية! - فهذه رواية ابن جبير تطعن في أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ويريد منا هذا الملعون أن نصدقه فيها! والمستشرقون يصدقونه ويروّجون لمثل أقواله. ورواية سعيد جاء مثلها: عند الطبري في «جامع البيان» ، والماوردي في تفسيره، وابن عطية في «المجرد الوجيز» . وجاء عند الطبري والماوردي عن مجاهد وقتادة، وفي رواية أخرى، نقلا عن ابن عباس، والثلاثة من صناع الإسرائيليات ورواتها: أن هذه الآية نزلت في وفد ثقيف لمّا أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا، فقالوا: متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك، فنزلت هذه الآية. وقوله «همّ الرسول» هو تأكيد للمرة الثانية للصفة الزرية التي ينسبونها للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه كان من