فهرس الكتاب
تعالى: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (15) (البقرة) واستهزاؤه بهم هو استدراجهم بمزيد النعم. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج، ومنه الدرجة وهي المنزلة بعد المنزلة، واستدرجه يعني استخرج ما عنده قليلا، ويقال استدرجه ودرّجه أيضا. والإملاء مثل الاستدراج يكون على مهل، يقال أملى له أطال له، والملاوة المدة، والملوان الليل والنهار.
الاستفتاح: هو الاستنصار أو الدعاء بالنّصرة: يقول تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم 15) ، وفي الرواية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بهم، والرسل كانوا يستفتحون، وكذلك الجبارون والأمم الفاسدة، كهذا الاستفتاح: (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال 32) ، ومثل هذا الاستفتاح: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) (الأعراف 89) ، ومثل قوله: (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (47) (الأعراف) إلخ.
الإسراف: هو التبذير، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف 31) ، فما جاوز الحدّ والاعتدال فهو سرف وإسراف، ومن كان معه جنية فأنفقه في سبيل الله كان مسرفا، ومن أنفق عشرة قروش في معصية الله كان مسرفا، وقيل: لا خير في السرف، ولا سرف في الخير، وهذا ضعيف، لأن ثابت بن قيس لمّا جذّ نخله وقسم ثمره على الناس، ولم يترك لأهله شيئا، نزلت الآية: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام 141) ، أي لا تعطوا أموالكم كلها فتقعدوا فقراء. والأكل والشرب واللّبس حلال ما لم يكن سرفا أو مخيلة. والله قد أمر بالقصد في كل شيء، فقال في النفقة: (إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) (الفرقان 67) ، وقال لوليّ الدم: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) (الإسراء 33) ، وقال في المتطيّرين: (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (يس 19) . ولأن الإسراف رذيلة، فإن من يكون مسرفا يضطر إلى مداراة إسرافه، فيكذب ويسرف في الكذب، كقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر 28) ، ومثله الشكّاك، فأمره جميعه إلى الشك في كل شيء، حتى ليسرف في