فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 2524

والمخلوق إلا لأنهم كان يغيظهم من القرآن أن يذكروا فيه، وأن يتحدّث بقضاياهم، فكانوا يريدونه جملة واحدة، وأن يكون مخلوقا وانتهى منه، لكي يسقطهم من حسابه، فلا توبيخ ولا تقريع لهم.

من يسمع قوله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ) (23) (الزمر) ، وقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (50) (المرسلات) ، وقوله: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) (59) (النجم) ، وقوله: (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (6) (الكهف) ، وقوله: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (44) (القلم) قد يظن أن الحديث من الحدوث، وإذن يكون كلامه تعالى في القرآن كلاما محدثا، وذلك وهم، لأنه تعالى لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله: (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (2) (الأنبياء) ، يعني أن هذا المحدث كان نزوله توا، وليس قديما، وطالما أنه ذكر، أي أنه يتنزل في مناسبات يذكّر بها، وكل ذكر محدث، لأن وقائع الأحداث التي يتناولها لها ملابساتها التاريخية. والصحيح أن كلام الله ليس محدثا، لأنه صفة لذاته تعالى، وذاته تعالى قديمة. وعلمه تعالى بهذه الأحداث علم قديم وليس جديدا. والقضية إذن محسومة، بسبب علمه تعالى المطلق، الشامل للقديم والجديد، وبذلك تكون قضية المحدث والقديم قضية مفتعلة، ولا تعني شيئا في الحقيقة، وأول من أظهرها الجعد بن درهم، وبشر بين غياث المريسى. وكان المعتزلة يقولون إذا كان القرآن غير محدث فكيف نفسر ما فيه من الأوامر والنواهى وهي محدثة؟ والسلف على الرأي المخالف، واعتقدوا ظاهر ما ورد في القرآن، والتزموه من غير تكلّف التأويل وإخراج الألفاظ عما وضعت له، إلا إذا وضحت القرينة في المجاز، من غير سباحة في اليابسة، بتسليط العقل فيما لا مراد فيه. وفي الصدر الأول من الصحابة والتابعين لم يثر أحد مسألة إحداث القرآن وأنه مخلوق أو غير مخلوق مما أثير بعدهم، ولم يؤثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم معنى من المعاني التي اخترعوها لإثبات ما رأوه.

والخلاصة: أن هذه القضية لا أساس لها؛ وليست من الفلسفة في شيء، والغاية من إثارتها هو بلبلة فكر العامة خصوصا، وزعزعة إيمانهم، وتشكيكهم في دينهم، وحسبنا الله.

المشكلة مع المستشرقين هو تحاملهم المزرى وتعصّبهم المقيت، ومن هؤلاء جيجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت