فهرس الكتاب
السورة في قول الجميع مكية كلها، ونزلت بعد سورة الأنبياء، وآياتها ثماني عشرة ومائة، وترتيبها في المصحف الثالثة والعشرون، وفي التنزيل الرابعة والسبعون. ولمّا قيل لعائشة: ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أتقرءون سورة المؤمنين؟ قيل: نعم. قالت: اقرءوا - فقرئ عليها: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (1) حتى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) (9) . - فهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أخلاق المؤمنين المفلحين وقيل: إن النبيّ أنزل عليه فسرى عنه بعد ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وارضنا وارض عنا» ، ثم قال: «أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون» حتى ختم عشر آيات. ومن غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، والخطاب للمؤمنين وهم يشملون المؤمنات، والسورة في أغلبها عنهم، وتستهل باسمهم: «قد أفلح المؤمنون» فسمّيت باسمهم، إشادة بهم وبأفضالهم. وفلاحهم: هو فوزهم وسعدهم، وشرطه لهم بست خصال: الأولى: الخشوع في الصلاة، ومناطه القلب، ولمّا نزلت الآية كان المسلمون يلتفتون في الصلاة، فأقبلوا من بعدها على صلاتهم ينظرون أمامهم. والقلب إذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، والخشوع هو أول علم يرفع من الناس؛ والثانية: الإعراض عن اللغو، وهو الثرثرة فيما لا يجوز ولا طائل وراءه؛ والثالثة: فعل الزكاة، وهو أن تعمل ليكون لديك المال لتزكّى منه، وهو أقوى من إتيان الزكاة، و «الفعل» فيه إرادة وقصد؛ والرابعة: حفظ الفروج، وذلك عام في الرجال والنساء إلا على الأزواج، ويقتضى ذلك تحريم الزنى، والاستمناء، ونكاح المتعة. والاستمناء هو استفعال المنيّ، وكان ابن حنبل يجوّزه ويشبّهه بالفصد والحجامة!! ونكاح المتعة: هو الزواج لأجل، والمرأة كالمستأجرة! ولا حقوق فيه لها، وهو ضد الشرع. وسمّت السورة من نكح ما لا يحل له عاديا وأوجبت الحدّ عليه لعدوانه، ومن ذلك اللائط، فهو عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) (166) (الشعراء) ؛ والخامسة: مراعاة الأمانة والعهد، وفيهما يجتمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه قولا وفعلا. والأمانة أعمّ من العهد، وكل عهد فهو أمانة؛ والسادسة: المحافظة على الصلاة، والصلاة عمود الدين، ومن أقامها فقد أقام الدين.