فهرس الكتاب
وهؤلاء المؤمنون هم الوارثون للجنّة، وجنة الوراثة: هي هذه الجنّة التي يرثونها، وهي الفردوس، أعلى الجنة. ثم تعرض السورة لدلائل قدرة الله، فتناولت خلق الإنسان من سلالة من طين، والسلالة هي النطفة تسلّ من شيء، والسلالة أيضا صفوة الماء وهو المنى؛ وأصل آدم من طين خالص، وأما ولده فمن طين ومنّى، ثم ينفخ الله فيه من روحه فيكون خلقا آخر، ويكون له النّطق والإدراك وتحصيل المعقولات، فتبارك الله أحسن الخالقين، فذلك دليل من أدلة قدرته تعالى، ومن هذه الأدلة خلق السماوات السبع، والمطر ينزل بقدر، وينمو به النخيل والأعناب والفواكه والزروع، وشجرة الزيتون المباركة التي تنبت من طور سيناء، وفيها الزيت دهانا للعلاج، وغذاء للناس، والأنعام وألبانها، والمراكب في البحار. وتستطرد السورة إلى بعض قصص الأنبياء الذين أبلوا بلاء حسنا وصبروا على الأذى، لعل فيها تسلية للرسول وللمؤمنين، كنوح، وهود، وصالح، وشعيب، وموسى، وعيسى وأمه، فكان كلّ منهم يكرر نفس الدعوة، ونفس الكلام بلا فائدة، ويأتي الجواب على كل دعوة بنفس الألفاظ والدفوع، فنوح قال: يا قوم: (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (23) ، وهود قال: (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (32) وهكذا، وكل قوم يكذّبون بنفس الدفوع: أن النبيّ المزعوم هو بشر مثلهم، وأن البعث مستحيل، وأنه من أساطير الأولين، وأن الداعى كذّاب يفترى على الله، ومجنون به جنّة، فاستحقوا أن ينزل بهم العذاب. وكان المعترضون دائما «المترفون» ، ومات من مات بطوفان نوح، وبالصيحة عند عاد وثمود، والصيحة تعنى أن يتجاوز الصوت حدّ القدرة على التحمّل، ومن شأنه حينئذ أن يدمر ما يصله؛ وعند موسى مات آل فرعون غرقا؛ ولجأ عيسى وأمه إلى ربوة ذات قرار ومعين، قيل هي الكنيسة بتعبير بطرس أحد الحواريين. وما أمر المؤمنون إلا بما أمر به الرسل: أن يأكلوا من الحلال ويتجنبوا الحرام، وأن لا يعادى بعضهم بعضا، فالدين واحد والربّ واحد: (هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (52) ، إلا أنهم افترقوا، وجعلوا الدين الواحد أديانا، والافتراق في الفروع طبيعي، ولا يوجب تعديد الملل، وإنما الافتراق المحذور منه هو الذي موضوعه أصول الدين وقواعده. ومن افتراقهم أن وضعوا الكتب واتّبعوها، وحرّفوا التوراة ووضعوها وضعا، وألّفوا الإنجيل تأليفا، وما هم فيه من مال وبنين ليس عن رضا الله عنهم ولكنه استدراج وإملاء؛ وأما المؤمنون: فلهم علامات أربع: يخشون ربّهم، ويؤمنون بآياته، ولا يشركون بالله، ويتّقونه ويخافون أن لا تقبل تقواهم، وأولئك هم المسارعون في الطاعات، والسابقون إليها، والله لا يكلف نفسا إلاوسعها، وكل ما يفعلون في كتاب الإحصاء للأعمال. وأما الكافرون فهم في غمرة وغفلة وعماية، وأعمالهم دون ذلك، وكلهم «مترفون» ، وفي يوم القيامة يعذّبون، وكانوا من قبل يستأخرون كلما تلا عليهم القرآن، وكانت لهم مسامرات ومجالس أباطيل وكفر، يهجرون فيها، أي ينطقون بالفحش، فإما أنهم لم يدبّروا آيات القرآن، أو أن ما جاء به كان جديدا عليهم تماما ولم يأت مثله لآبائهم، أو أنهم لم يعرفوا رسولهم فهم في شكّ منه، أم أنهم يظنون به الجنون؛