إنسان إنسانا آخر، وهو ما يسمى عند علماء الهوية علم بصمة الإبهام. وفي السورة تتكرر لفظة «الإنسان» خمس مرات، وهو اسم جنس بمعنى ابن آدم، كما نقول في الإنجليزية Man أو في الفرنسية L\'Homme ، والتكرير للّفظة من الجماليات في السورة، مثل تكرير «كلا» ، و «لا أقسم» ، و «بلى» ، وقوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) (5) تأكيد أن من دأب الإنسان أن لا يفكر في البعث والحساب لأنهما من الغيب، ولذلك يسأل (أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (6) ؟ أي متى يكون؟ يقول ذلك إنكارا للموت، فقلما يذكره، ومن ثم لا يتوب، ويزيد به الأمل في الدنيا حتى ليكذّب أن يأتيه الموت، وذلك هو قمة الفجور والجحود، فإذا قامت القيامة فعلا كانت المفاجأة والدهش، وحينئذ يرى ذلك في عينيه، يقول تعالى: (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) (7) ، وبرق البصر لمعانه من شدة الشخوص والتحيّر، وهو من أعراض الموت، والعينان عند الموت لا تطرفان، ومثل ذلك يوم القيامة، وفيه لا يقتصر على ما يلم بالناس وإنما الكون كله يتغير، فيخسّف بالقمر والشمس، ويقرنان كثورين عقيرين: (يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (10) ، وأين المفر؟ سؤال يطرحه في فزع، والجواب عليه بالنفي: «كلا» ، أي لا مفر! وفسّره فقال: «لا وزر» ، أي لا مهرب، ولا ملجأ ولا محيص: (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) (12) ، كما في قوله: (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (42) (النجم) ، أي مصيرنا جميعا إلى الله. و «بل» في قوله: (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (15) من الألفاظ المتكررة للتصحيح والتوضيح، واستخدامها فيه بيان وبلاغة، وتأتي «بل» في السورة مرتين، ومن شأنها سلب الحكم عمّا قبلها فتجعله لما بعدها، فيصير المعنى: إن الإنسان على نفسه بصيرة، أي شاهد، وشهوده على نفسه بأن تشهد عليه جوارحه، والهاء في بصيرة للمبالغة، ومعاذيره هي الأعذار يعتذر بها من الذنوب. وفي الآيتين دليل على قبول إقرار المرء على نفسه بشهادته، أو باعترافه عليها. وبعد هذه المقدمة في الموت ويوم القيامة تتطرق السورة إلى التعليم للرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقّيه الوحي من الملك، والاستماع له، والانتباه إلى بيانه، وما ينبغي حفظه. وترصد السورة طريقته صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكان إذا نزل عليه الوحي عرف في تحريكه شفتيه، يحركهما بالقرآن خشية أن ينسى، ولا يفتر منه، فأنزل الله: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (16) فكان بعد هذه الآية إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب عنه قرأه كما أقرأه له. والقرآن إذن كما في هذه السورة، هو الذي ينبه إلى البعث والآخرة، ويحيل إليهما، ويذكّر بهما بقوله: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) (21) ، يعني أن شغلهم بالدنيا هو الذي يصرفهم عن التفكير في الآخرة، وفي الآخرة يعرف المجرمون بوجوههم الكالحة العابسة الكاسفة، لأنهم قد صاروا إلى يقين مما ينتظرهم من البلاء؛ وأما المؤمنون