(مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (32) (عبس) ، وبذلك يرتفع التشابه أو اللبس. ومثل ذلك في التشابه في المركّب، كقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) (3) (النساء) فالتحرّج من الزواج من اليتامى لم يذكر سببه، فتولد اللبس عن ذلك، وكان ذلك لأنهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى ولا يتحرّجون من الزنى، فأنزل الله الآية: فإن خفتم أن تجوروا على اليتامى فأقلعتم عن الزواج منهن، فخافوا الزنى أيضا، وتبدّلوا به الزواج الذي وسع الله عليكم فجعله مثنى وثلاث ورباع. وأما التشابه الراجع إلى الخفاء في المعنى فقط، فمثاله ما جاء في القرآن وصفا لله، أو للساعة، أو للجنة أو النار، فهذه أشياء لا يتسنى أن نحصل عنها على جواب محكم ندركه إدراكنا للمحسوسات. وأما ما كان التشابه فيه لخفاء في اللفظ والمعنى معا، فمثاله الآية: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) (189) (البقرة) فقد كانت عادة العرب إذا أحرموا أن لا يدخلوا ولا يخرجوا من الأبواب، وإنما ينقبون نقبا في ظهر البيت يدخلون ويخرجون منه، فنزلت الآية أن ذلك ليس البرّ، وإنما البرّ أن تتقوا الله. والخفاء في الآية مصدره اللفظ والمعنى معا. والمتشابهات عموما إما أنها كذلك لأنها داخلة فيما لا يمكن العلم به كالساعة والقيامة، وإما أن العلم بها يتطلب إعمال الفكر والبحث كما في الآية: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (102) (آل عمران) ، وإما أنها تشتبه على العامة ولا تشتبه على الخاصة الراسخين في العلم. فإذا كانت المتشابهات هي الألفاظ الخفية المعنى والمعاني البعيدة والغامضة، فلماذا يأتي بها الله، والقرآن ينبغي أن ينبسط للجميع عامة وخاصة؟ والجواب: أن الله تعالى قد أتى بها لأن الناس ليسوا سواء في الذكاء والإدراك والمعرفة، فمثلا صفاته تعالى كيف يدركها العامة؟ فكان لا بد أن يكون الكلام فيها من باب المتشابهات. والناس ليسوا سواء في الإيمان، فمن صادفه متشابه وآمن به إيمانه بالمحكم فقد وعى الحقّ من ربّه، ومن اتّبع المتشابه وأرغى فيه وأزبد فهذا الذي يبتغى الفتنة، وإذن فالإتيان بالمتشابه مع المحكم إنما هو اختبار منه تعالى لإيمان المدّعين، وهو ابتلاء للمؤمنين، ثم إنه يناسب عقلية العوام وما تتخيله أو تتوهمه عن الله تعالى، في حين أن المحكم هو ما يناسب الخواص، وهم الراسخون في العلم، يؤوّلونه التأويل الصحيح. ولو كان القرآن محكما كله أو متشابها كله لكان المقصود به جماعة واحدة من الناس، والمتشابه أدعى لإعمال الفكر فيكون المزيد من الثواب للباحثين، وتحصيل المزيد من العلوم، وبذلك يكون الخروج عن التقليد، ويكون الاجتهاد في التفسير، فله الحمد تعالى على ما أنعم وهدى، وله المنّة وكل الشكر.