فهرس الكتاب
يكون عيشها في الحياة بحسب ما خلقها الله، فالصانع أعرف بما صنع، وبما يصلحه؛ وعقر النفس: هو ذبحها بالعصيان والكفر، واتباع الهوى، والميل عن الحق، والأخذ بالطغيان، والإنسان «حرّ» إزاء الخير والشر، والحق الباطل، والإيمان والكفر، وله أن «يختار» أيهما، فحينئذ يكون قد «اختار في حرية» ، ويصير «مسئولا عن اختياره» ، فإذا جوزى بالعقاب، فهو عن جدارة، وعقاب الله هو العقاب، والله يسأل عباده ولا يسأل، وينزل العقاب بالمسئ ولا ينزّل به عقاب سبحانه، لأنه تعالى الحق: فلمّا كان الله كانت القيم. وفائدة السورة: أن من يطهّر نفسه عن الذنوب والعيوب، والأعواض والأغراض، ويبعدها عن الاعتراض، فإنه يتطهّر ويرقى ويفوز، وهو «الإنسان» حقا وصدقا؛ ومن يخون قانون صنعة نفسه، ويدنّس طبيعتها، ويهمل المعاني ويزدرى القيم، وتستغرقه المظالم إلى حدّ أن يغرق سفينة نفسه في بحر الشقاء، فهو الخائب. ومن مصطلحات السورة: (ثَمُودُ بِطَغْواها) (11) ذهبت مثلا، كأن نقول: «أمريكا بطغواها» أو «إسرائيل بطغواها» ؛ وفي قوله: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) (12) وروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل: «أتدرون من أشقى الأوّلين؟» وأجاب «عاقر الناقة» . قيل: كان اسمه قدار بن سالف، فصار مثلا عند أهل علم النفس الإسلامي، لأنه عقر نفسه التي هي ناقة الله، وقلّده قومه فعقروا نفوسهم مثله لمّا وافقوه على رأيه وفعله. وفي الأدب السياسي الإسلامي يضرب بعاقر الناقة المثل للطاغية، وقوله تعالى: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (8) وإلهام النفس هو تعليمها التمييز بين الخير والشرّ، وإرشادها. والآية جواب على الجبرية والقدرية الذين يقولون يأن الإنسان لا يفعل إلا ما قدّره الله له وقضى به، وأنه مجبور عليه. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرجع إلى هذه الآية والسورة كلها في دعائه: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها» . وفي الرواية عن عائشة أنها افتقدت النبيّ صلى الله عليه وسلم من مضجعه فلمسته بيدها في الظلام، فوقعت عليه وهو ساجد يدعو: «ربّ أعط نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها» أخرجه أحمد.
وفي سورة «الشمس» تكثر المتقابلات، ومنهج القرآن هو منهج يقوم على الجدل بالمتقابلات، والسورة نموذج لهذا المنهج الجدلى، أو منهج المتقابلات، كقوله: الشمس كمقابل للقمر، والفجور كمقابل للتقوى، وقوله: (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) (3) ، كمقابل لقوله: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) (4) وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها(9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (10) ، والله أعلم، وله الحمد والمنّة.