فهرس الكتاب

الصفحة 991 من 2524

بالملإ الأعلى حيث يصفّون في الصلاة كصفوف المؤمنين في الصلاة، وفي الآية: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (165) وصف الملائكة أنفسهم بأنهم يصفون في حضرة الله كصفوف أهل الدنيا، وفي الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» قالوا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربّهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» . والزاجرات عطف على الصافات، فإذا اصطفوا وأدّوا صلواتهم قاموا إلى أعمالهم، يزجرون، كأن يزجروا الناس عن المعاصي فيوحون لهم بالخير، وينهونهم عن الشر، فإذا أدّوا أعمالهم انصرفوا يتلون أذكارهم، كقوله تعالى: (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا) (5) (المرسلات) ، وكأنه تعالى يدعو المؤمنين أن يتشبّهوا بهم، فيصطفون للصلاة، ثم ينصرفون للأعمال، ثم يتفرغون للذكر، فهؤلاء الأسوة أقسم بهم لذلك، إظهارا لعظم شأنهم، وتنبيها لجلال قدرهم، والمقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو ربّ السماوات والأرض وما بينهما، وربّ المشارق، كقوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) (40) (المعارج) ، أي مطالع الشمس ومغاربها، وقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (17) (الرحمن) للشمس وللقمر، وللشتاء وللصيف. وكان الكفار بمكة قد قالوا: أجعل محمد الآلهة إلها واحدا؟ وكيف يسع الخلق فرد إله؟! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا؛ والملائكة هم الملأ الأعلى، فلما تحدّث عنهم انتقل إلى الحديث عن الشياطين كمقابل للملائكة، فقال إن الكواكب في السماء ثلاثة: رجوم للشياطين، ونور يهتدى به، وزينة للسماء الدنيا؛ وأن السماء تحرسها الكواكب عن استراق الشياطين السمع، والشياطين هم المسمّون المردة، والمفرد مارد، أي العاتى، ومن عتوّه سمّى شيطانا، والشياطين يحظر عليهم التنصّت: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (212) (الشعراء) ، ويرمون لذلك من كل جانب بالشّهب تدحرهم وتطردهم. ومن خلق كلّ ذلك، أليس بقادر على النشأة الثانية - أي البعث؟! ومن عجب أن من هو مخلوق من طين لازب، هو الذي يسخر من الخالق سبحانه وينكر البعث؟ وإذا ذكّر بالقرآن - كلام الله تعالى - أعرض ونأى؟ وإذا نبّه إلى إحدى آيات الله ومعجزاته في الكون استسخر، ووصم ما يرى بأنه سحر وتهاويل وتخييلات وخداعات؟! ودعواه: أئذا متنا فهل نحن بمبعوثين؟ وهل يبعث آباؤنا

الأولون؟ وإنما هي زجرة وصيحة واحدة - هي النفخة الثانية في الصور، سميت زجرة لأنها تزجرهم وتسوقهم كالإبل، فإذا هم قيام، شاخصة أبصارهم، لا يصدقون أن ذلك هو البعث الذي أنكروه، فيتنادون بالويل وقد أدركوا أنه يوم الدين والحساب والفصل، يفصل فيه بين الناس فريقين: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (7) (الشورى) ، وفريق النار فيه المنكرون، والغاوون، والمجرمون، وكانوا جميعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت