يستكبرون ويستعظمون أن يقولوا لا إله إلا الله، وهم لذلك مسئولون، ومسئوليتهم أدبية وقانونية وجنائية، يسالون عن أعمالهم في الدنيا من المعاصي والذنوب، وعن أقوالهم في الله والبعث والحساب والرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قولهم عنه إنه شاعر مجنون، والشاعر يكون منظوم المعاني والألفاظ، وينقض ذلك أن يكون مجنونا، لأن المجنون تختلط عليه المعاني ولا تنتظم ألفاظه، وتهمتهم له لذلك باطلة، وداحضة، ومغلوطة، ومستقرهم النار، هم وشركاؤهم وقرناؤهم، والقرين هو الصاحب الملازم لصاحبه، وتضرب السورة المثل بقرينين، أحدهما من أهل الجنة، والآخر من أهل النار، وكان الذي من أهل النار لا يصدق بالبعث ولا الحساب، ويسخر من قرينه لأنه كان من المصدّقين، وكان يعجب أن يبعث من مات، وأن تدبّ الحياة مرة أخرى في التراب والعظام. ويتمنى قرينه في الجنة أن يطّلع في النار، وإذ يرى فيها قرينة المكذّب يحمد الله أنه نجّاه من غوايته، ولولا ذلك لكان من أهل النار، ولا يستوى نعيم الجنة وعذاب النار، فالفواكه والثمار طعام أهل الجنة، وشجرة الزقوم طعام أهل النار، والزقوم في اللغة من التزقيم، وهو البلع على جهد لكراهة طعم ثمر هذه الشجرة وفساد رائحته، وإنها لشجرة غريبة تحيا بلهب النار، كما تحيا الأشجار في الدنيا بعذب الماء، ولم يصدق الكفار أن توجد شجرة كهذه بهذا التناقض، فكيف يكون في أصل الجحيم شجر والنار لا تحرقه وتأتي عليه؟ وكان أبو جهل يقول: أتدرون ما الزقوم؟ إنه الزبد والتمر! ويأتيهم بهما ويقول: تزقّموا هذا الذي يخوّفكم به محمد! - فهذا هو وصف القرآن لشجرة الزقوم بأنها فتنة، يعني اختبار لتصديق المؤمنين، ويصفها بأن طلعها - أي ثمرها كأنه رءوس الشياطين، ونحن لا نعرف كيف هي رءوس الشياطين، ولكننا نتصورها من وصف القرآن. واستبعاد الكفار لوجود شجرة كهذه، جعل المنكرين يقولون إن بشاعة أوصاف النار، وجمال أوصاف الجنة إنما لتجسيم العقاب والثواب، وجعل ذلك بدوره الملاحدة في وقتنا يحملون النار والجنة على المعاناة النفسية أو الانشراح النفسي لما كان من كل إنسان في الدنيا من خير أو شر. وفي السورة أن كل إنسان ترجع خيريته أو شرّيته لنوع تربيته، فلولا أن وجد الضالون آباءهم على الضلال لما ضلّوا: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ(69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) (70) ، إلا المؤمنين، كانوا كذلك لأنهم مخلصون، خلصوا من مؤثرات الشر، ومن مورثاته في الدم والجهاز العصبي والمخ. والأنبياء أئمة المخلصين الذي أخلصوا لمعتقداتهم. وتضرب السورة المثل بثمانية أو سبعة أنبياء، تروى أطرافا مما جرى لهم، تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولأمّته، وتحذيرا لمن كفر، وهؤلاء السبعة هم: نوح، وإبراهيم، وإسماعيل الذبيح، وموسى وهارون - وهم واحد