فهرس الكتاب
واختيار، وعلى هذا كانت المسئولية والحساب، فإما العقاب وإما الثواب. وتحفل السورة بمشاهد وصور من الجنة والنار، وبأوصاف للأبرار والمقرّبين. وفي الرواية عن ابن عمر أن حبشيا لمّا سمع هذه الآيات قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فضّلتم علينا بالصور والألوان والنبوة! أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت بما عملت، أكائن أنا معك في الجنة؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم والذي نفسي بيده» ، ثم قال: «من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد. ومن قال سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» ، فقال الرجل: فكيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فنزلت: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (1) إلى قوله: (وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) (20) ، فسأل الحبشى: يا رسول الله! وإن عينيّ لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نعم» ، فبكى الحبشى حتى فاضت نفسه، فلما دلّوه في الحفرة سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (22) . وروى أن أبا جهل قال: إذا رأيت محمدا يصلى لأطأنّ على عنقه! فأنزل الله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) (24) ، و «أو» في الآية من جمالياتها، وأوكد مما لو استخدم الواو، لأن «الواو» لو استخدمها فأطاع أحدهما لم يأثم، وأما «أو» فدلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى. وقيل: «أو» بمعنى لا، والآثم المنافق، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر، والمعنى: لا تطع منهما آثما ولا كفورا. وروى أن الآية نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا قد أتيا الرسول صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج، على أن يترك ذكر النبوة. والذي عرض التزويج عتبة، قال: إن بناتى من أجمل نساء قريش، فأنا أزوّجك ابنتيّ من غير مهر، وارجع عن هذا الأمر. وقال الوليد: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى، وارجع عن هذا الأمر - وبسبب هذا العناد من أهل مكة من أمثال أبى جهل، وعتبة، والوليد، تنزلت الآيات تسلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم وتخفّف عنه في قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) (26) ، ثم ذكّره تعالى بأنهم ما عاندوا ولا كابروا ولا كفروا إلا لأنهم يحرصون على الدنيا، ويتناسون أن هناك يوما للقيامة والحساب، ولقد خلقهم الله وأحكم خلقهم فما شكروا ولا ارعووا، ولو شاء لبدّلهم، ولم تكن هذه السورة - سورة الإنسان - ولا القرآن برمته - إلا تذكرة وموعظة لمن يريد أن يتذكر ويتّعظ وينزجر، وتكون له طريقة إلى ربّه، والله تعالى يهدى من يشاء، وهو العليم الحكيم، يعلم من يستحق الهداية ويطلبها واختارها لنفسه فيدخله في رحمته، وييسّر له أسبابها، وأما من يكفر فله العذاب الأليم.