فهرس الكتاب

الصفحة 1203 من 2524

كان يجوز له أن يحمل زوجته على ذلك؟ وهل يجوز له أن يجبر جاريته عليه؟ ثم هل يجوز له أن يحمل أطفاله على أن يجوعوا ثلاثة أيام بلياليهم؟ ومن أجل ذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن وضّاع هذه الحكايات كانوا من أهل السجون وقد طال بهم الحبس فيؤلفون مثل هذه الأحاديث المفتعلة، ويضعون لها شعرا ركيكا يصاحبها، يلهوهم في السمر وأشباهه، وما من شيء إلا وله آفة ومكيدة، وآفة الدّين ومكيدته أكثر من آفة ومكيدة أي شيء آخر. والصحيح في هذه الآيات أنها نزلت عامة في جميع الأبرار، ومن أجل ذلك كان الخطاب في السورة كلها إلى الإنسان، وهو اسم جنس، فهو خطاب عام، وسميت السورة باسم «سورة الإنسان» لهذا السبب، وقيل أيضا هي سورة الدهر لأنها بدأت بقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) . ومن المفسرين من الشيعة من يزعم أن السورة برمتها نزلت في عليّ أبى بن طالب؛ ومن الصوفية من لفق لها مناسبة تتصل بمذهبهم، فقالوا: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزلت عليه هذه السورة وعنده رجل يتلقى عليه، فقرأها النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بلغ صفة الجنة في الآيات من 12 إلى 22، فزفر الرجل زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوق إلى الجنة» ذكره السيوطي من رواية بن وهب، والشوق إلى الجنة إلى حدّ الموت من أحوال الصوفية ولم يعرف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا زمن الخلفاء، ولم يسمع به إلا في القرن الثاني الهجرى مع ازدهار التصوف، والحديث لذلك موضوع مائة في المائة. ومن روائع سورة الإنسان أن تبدأ بالسؤال: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (1) ، و «هل» تكون جحدا أو تكون خبرا، أو تكون استفهاما، وجميعها تقريرية جوابا عن السؤال الذي تفتتح به السورة، والمعنى قد جاء على الإنسان وقت لم يكن على شيء من القدر والأهمية، ثم صار له هذا القدر وتلك الأهمية، وبعد أن كان حيوانا كالحيوانات صارت له رتبة الإنسانية، وبعد أن كان على هيئة بربرية وحال همجية وله طباع وحشية، صار إلى حضارة ومدنية وعلم ورقيّ؛ وبعد أن كان عدما صار خلقا، فلقد خلقه تعالى على أطوار، فكان في بدايته منيّا يمنى، فصار نطفة أمشاج يختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة، وصار علقة، ثم مضغة، وأتمّ خلقه المادى، وجعل له مشيئة الخير والشر، ليبتليه، وجعل له السمع والبصر، أو صنعه عاقلا مميزا، وهداه النجدين، (إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (3) ، فدلّت الآية على أن الإنسان له إرادة واختيار، فلو شاء آمن ولو شاء كفر، ولا إكراه في الدين ولا إجبار. وهذه الآية على ذلك من جملة الآيات التي تؤكد أن الإسلام يقوم على التخيير وليس على الإجبار، وأن الإيمان من عدمه هو مسألة إرادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت