فهرس الكتاب
وأتى بالاستفهامين: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) (12) ، و (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ) (13) لتعظيم هذا اليوم والتهويل؛ وجواب الاستفهام: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (15) ، يكرر هذا الوعيد خلال السورة عشر مرات، يريد به في كل مرة غير الذي أراد بالأخرى، وفي كل مرة يطرح قضية ويعقّب عليها بويل يومئذ للمكذّبين، يكذّبون ما قال، وهكذا في كل مرة من المرات العشر، ففي الأولى: كان المطروح يوم القيامة؛ وفي الثانية: ما ينزل بالمجرمين في ذلك اليوم؛ وفي الثالثة: أنه الخالق للإنسان من الماء؛ وفي الرابعة: أنه خلق الأرض ورواسيها وأنزل الماء؛ وفي الخامسة: مآل المجرمين في الآخرة وما يلقونه من نكال؛ وفي السادسة: أحوال المجرمين في هذا اليوم؛ وفي السابعة: تحدّاهم أن يكيدوا لو استطاعوا؛ وفي الثامنة: ما أعدّ للمتقين من أنواع الإفضال والإكرام؛ وفي التاسعة: هزأ من المجرمين ومصيرهم مقارنة بمصير المتّقين؛ وفي العاشرة: بيّن لماذا كان المجرمون على ما هم عليه. وفي كل مرة يكون فيه الوعيد للمكذّبين، تكون القضية المطروحة مثار جدل، وتقارع الحجة بالحجة، وتفنّد الدفوع بالبراهين، ويكشف عن المغالطات. ومن المنطق حسن العبارات وانتظامها، ومنه أن تحفل السورة بأمثال هذا الطباق: «الأولين، والآخرين، والمجرمين، والمكذّبين» ، وأحياء وأمواتا». ومنه أيضا التكرار الجميل لأسلوب الاستفهام، مثل قوله: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ(16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ) (17) ، وقوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ(20) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (23) ، والآيات دليل على القدرة والتوحيد، وتثبت صحة القول أن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وماء المرأة، وفي «قدرنا» في قوله: (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (23) إما أنها مشدّدة من التقدير، وإما مخففة من القدرة، والأولى قدّرنا وقت الولادة، أشقيا أم سعيدا، وطويلا أم قصيرا؛ والثانية قدرنا بالفتحة ومن ثم كان قوله: (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (23) . ومن الاستفهام أيضا: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا(25) أَحْياءً وَأَمْواتًا (26) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا) (27) ، والكفات أي اجتماع الأحياء على ظهرها، والأموات تجمعهم في بطنها، فالمقابر كفات الموتى، والبيوت كفات الأحياء، وكان يسمون أرض البقيع «كفتة» أي مقبرة. أو أن الأرض تنقسم إلى حيّ ينبت ويتوالد، وميّت لا ينبت ولا يتوالد، وفيها ذلك جميعا، وهي كفات له. والجبال رواسى للأرض، وهذه النظرية يطرحها القرآن وتخلو منها التوراة والأناجيل، فلما جعل الجبال أنزل عليها المطر يسيل إلى الأودية، وجعل الجبال مخازن الخيرات للأرض، وهي أمور أعجب من البعث، فكيف يكذّبونه؟ والويل لهم في الآخرة وهم يشاهدون النار عيانا يرتفع منها الدخان كأنه الظل، فيخيل إليهم أن بوسعهم الاحتماء به، وظل النار ذو ثلاث