فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 2524

شعب، وهي حقيقة من العلم المشاهد، يطلق القرآن على كل شعبة منها اسما: فشعبة هي: الضريع (كالثدى للمرأة،) وشعبة هي الزقوم (كالطعام المسموم) ، وشعبة هي غسلين (وهو ما يسيل من نتن من جلود أهل النار) ؛ أو أن الشعب الثلاث هي: اللهب، ثم الشرر، ثم الدخان، فهي ثلاثة أحوال في وصف النار إذا اضطرمت واشتدت. ووصفه الظل بأنه لا ظليل ولا يغنى من اللهب، مثل قوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ(43) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) (44) (الواقعة) ، يعني: لا يظلهم من حرّ النار، ولا يكنّهم من لهبها، وليس إلا دخان يرتفع منه ويتفرّق شعبا ثلاثا، وسمّى العذاب «ظلا» تهكما واستهزاء بالمشركين، وبالمقارنة: فالمؤمنون في ظلال وعيون، بينما المجرمون في سموم وحميم، وظل من يحموم (الدخان الأسود القاتم) ، شبّهه بالشرر كالقصر، فكل شرارة كشوامخ القصور، وكأنها في تطايرها الجمالات الصفر، أي الإبل فاقعة اللون المعروفة بسرعتها وقوتها، فجاءت التشبيهات قمة في البلاغة، وقيل: هي قلوس السفن، أي حبالها، شبّه بها الشرر المتطاير؛ وقيل هي جمالات بالضم، وهي الضخام من الأشياء أو الإبل. فكان من هول هذا اليوم أن أخرس المكذّبون، لا يؤذّن لهم فيعتذرون، ولا يقبل لهم عذر ولا حجة، ولا تنفع الظالمين معذرتهم. ومن هذه الآيات نعرف أن ليوم القيامة مواطن ومواقيت، والأحوال في هذا اليوم من المتشابهات، فمرة يقول لا يتكلمون فيه، وفي آية أخرى قال: (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) (108) (طه) ، وفي آية أخرى قال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (27) (الصافات) ، وقال أيضا: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) (108) (المؤمنون) ، يعني كلما همّوا بالكلام أسكتهم وألجمهم. فأي هؤلاء الصحيح؟ وفي آية سورة المرسلات الكلام عن المكذّبين، ولا يمكن أن يكونوا كذلك ويسمع لهم يوم القيامة، يقول: (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ(35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) (36) ، وأما الآيات الأخرى فلها ملابساتها المختلفة وقوله بعد ذلك: (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) (38) زيادة في التعريف بهذا اليوم، فكل من كذّبوا منذ بدء الخليقة جمعهم، فيقول: (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) (39) يعني يقاوون الله لو استطاعوا! ومن أساليب القرآن في المقابلة - وهي من الجدل من أبواب المنطق - أنه بعد أن يسرد أحوال المكذّبين وعذاباتهم ينوّه بأحوال المتّقين بالمقارنة، فتكتمل الصورة الجمالية بزيادة ما فيها من تفاصيل متضاربة ومتخالفة: فالظل يقابله النور، والفواتح تقابلها القواتم، وها هم المجرمون يقابلهم المتّقون، ويحتمى المجرمون بظل ذي ثلاث شعب، وأما المتقون فهم في النعيم وتحت الظلال، يتمتعون هم وأزواجهم، ما بين سمر، وذكر، وطعام مما يشتهون، يقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (43) ، مقابل ما يقال للمجرمين: (فَإِنْ كانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت