فهرس الكتاب
لهم الجنات والبساتين والأنهار، ومن فقه ذلك: أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار. ويلجأ نوح في منهج الدعوة إلى المنطق والحوار، ويستخدم الحجة والبرهان، ويسوق الأدلة على وجود الله، ووحدانيته وقدرته، ومن ذلك خلقه للناس أطوارا، يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى تمام الخلق؛ وخلقه كل شيء أطوارا: فالحضارات والمدنيات دول وأدوار، وحتى التعلم والفهم والوعي على مراحل، والأطوار قانون الوجود كله، وهي فطرة الله في خلقه وسنّته التي لا مبدّل لها. وحتى السماوات والأرض كانت أطوارا طباقا. وذلك من دلائل قدرته ووحدانيته. ومن ذلك خلقه للشمس والقمر. وقوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَ) ، قال المستشرقون: إن القرآن أخطأ حيث جعل الشمس والقمر لكل السماوات والأرض، وهما للسماء الدنيا وحدها، ولأماكن من الأرض دون أماكن؟! والخطأ هو خطأ المستشرقين، أو أنه بالأحرى مغالطة منهم وفساد في الاستنتاج، لأنه في اللغة العربية قد يقال: إن القمر جعله تعالى في السماوات نورا، والمقصود في إحدى السماوات وليس كل السماوات، كقول القائل: أعطنى الثياب وهو يقصد الجلباب فقط دون كل الثياب. وفي السورة من دلائل قدرته تعالى: إنباته للناس من الأرض ثم يعيدهم فيها، ومعنى إنباتهم أنه ينمّيهم فيكبرون بعد الصغر، ويطولون بعد القصر، ومن كان يستطيع ذلك فبوسعه أن يميتهم ثم يعيدهم بعد موتهم، أي يبعثهم. ولم يقتنع قوم نوح وعصوه، واستمعوا للأغنياء منهم، أصحاب المال والبنين، وعبدوا آلهتهم: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا، ووضعوا لها التماثيل والصور، ومكروا المكر الكبّار، أي الشديد، و «المكر الكبّار» من المصطلحات القرآنية، وكانت هذه الأسماء للآلهة من قبل نوح، لأناس من واقع الحياة اشتهروا بالأذى بما جعل الناس تخشاهم، صلى الله عليه وسلم لأن الأغنياء كان من صالحهم أن يستذلوا الناس بهم، ويستنزفوا دخولهم لصالحهم، وقد نبّههم نوح إلى هذا، وتوجه إلى الفقراء يحذرهم وينذرهم، والفقراء تابعون دائما، وما لم يتقدمهم الأغنياء ينكصون أن يخاطروا بالتسليم لنوح، فدعا عليهم جميعا: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا(26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا) (27) ، وينبّه إلى الوراثة الروحية، فالكافر يلد الكفّار مثله، وهو الفاجر الفاسق. وكان لا بد أن يستغفر لنفسه بعد أن دعا على قومه، فقال دعاءه الخالد: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا) (28) ، والبيت هو المسجد الذي ابتناه لعبادة الله، وقوله: (لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) يعم الأحياء منهم والأموات، فاستحب هذا الدعاء اقتداء بنوح، وختمه بالدعاء الذي يردده كل المظلومين: (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا) والتبار هو الهلاك والخسار في الدنيا والآخرة.