فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 2524

يقول تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (3) ، والتين والزيتون شجرتان مباركتان، ففضلا عن أن التين فاكهة من فواكه الجنة، فإن آدم وحواء خصفا عورتيهما بأوراقه (الأعراف 22) ؛ وأما الزيتون فقد قال تعالى فيه: (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ) (35) (النور) ، وقال: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (20) (المؤمنون) ، ودهن الزيتون زيته، وهو من أحلى الزيوت وأنفعها، ويصطبغ به الأكل، وفي الحديث: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» ، ومن دهنه علاج للأمراض، كأوجاع الظهر، والركبتين، واليدين، ووجع الرقبة والجروح والقروح، والبرد في الصدر. وخصّ طور سينين - أي سيناء - بالتين والزيتون لأنهما أول ما نبتا كانا في طور سيناء. وقيل ربما الزيتون إشارة إلى مدينة بيت المقدس التي بعث الله تعالى فيها عيسى، والتين إشارة إلى طور سيناء أو سينين، وهو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى، وأما و «البلد الأمين» فهو مكة، ومن دخله كان آمنا، وفي مكة أرسل صلى الله عليه وسلم وهبط عليه الوحي بالقرآن، وفيها بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة، فهذه ثلاثة أماكن مقدسة، رتبت بحسب معانيها الرسالية ومكانة أنييائها الوجودية، فأقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه (وهو الزيتون أو بيت المقدس) ، ثم بالأشرف منهما (وهو مكة) ، وفي ذلك المعنى من أقوال أسفار اليهود: جاء الله من طور سيناء (حيث كلم موسى) ، وأشرق من ساعير (يعني جبل بيت المقدس) ، واستعلن من جبال فاران (ويأولها المسلمون بأنها جبال مكة حيث أرسل محمد صلى الله عليه وسلم) . والقسم الثاني من السورة به جواب القسم، يقول: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (6) ، يخبر بأن الإنسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا، فهو الجميل الهيئة، البديع التركيب، ولا شيء من المخلوقات أجمل منه ولا أحسن، والله خلقه عالما، قادرا، مريدا، متكلما، سميعا، بصيرا، مدبّرا، حكيما، وهذه من صفات الربّ سبحانه، وعنها جاء القول المشهور: «إن الله خلق آدم على صورته» ، يعني على صفاته تعالى، فإن قيل على هيئته وشكله وسمته، فإنا نقول: ومن أين تكون لله صورة متشخّصة؟ فلا يتبق إلا أن تكون «على صورته» يعني أنه على صفاته. ثم إن الله يردّ الإنسان إلى أرذل العمر، أو أنه بحكم وجوده في الدنيا تثقله الخطايا، ويتدنس ويتنجّس - وهو معنى «أسفل سافلين» ، أو أن معناها أنه يردّ إلى الضلال كما في قوله: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (3) (العصر) ، أي إلا هؤلاء فلا يردّون إلى أسفل سافلين. وفي الجزء الثالث والأخير من السورة، يتوجّه الخطاب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت