فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 2524

مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (45) (النازعات) وكان آل فرعون يسومون بني إسرائيل سوء العذاب، ويذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، ومثلهم أقوام نوح وعاد وثمود، ومن جاءوا بعدهم، فما أقرّوا بالفضل، وردّوا على الرسل أقوالهم، وكذّبوهم بأفواههم، وحاجّهم رسلهم: أفى الله فاطر السماوات والأرض تشكّون؟ وتعلل المكذّبون بأنهم لن يؤمنوا لبشر مثلهم، وهددوهم بالإخراج من أراضيهم، فأهلك الله الظالمين وأسكن المؤمنين أرضهم، وخاب كل جبار عنيد مثل أبى جهل وهو المتكبّر العاصي الحرون. ويروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان من هذا الصنف من العباد، فتفاءل يوما في المصحف، فخرج له قوله تعالى: (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (15) ، فمزق المصحف، فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شرّ قتلة. وتتطرّق السورة لمصير أمثاله يوم الدين، فجهنم لهم بالمرصاد، وشرابهم فيها ماء صديد، يتحسّوه جرعات وقد أحيط بهم، فلا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفّف عنهم العذاب.، أعمالهم في الدنيا كرماد تذروه رياح يوم عاصف، فيما يستفيدون شيئا من ضلالهم. وتتوالى مشاهد الآخرة، ويجتمع في المشهد الواحد الضعفاء والمتكبّرون والشيطان، وكلهم يتجادلون ويتلاومون، ويلقون الذنب على بعضهم البعض، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة وتحيتهم فيها سلام. وتضرب السورة مثل الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيبة، أصلها ثابت في الأرض، يعني باق، وفروعها في السماء، يعني أنها رفعت وحازت القبول وعليها الجزاء نعم الجزاء، ونقيضها الكلمة الخبيثة، ما لها في الأرض من قرار، والله يثبّت المؤمنين بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، وهو القول الطيب، والأقوال أفعال، وتصدر عنها أفعال وتدفع إليها أفعال، وخير الأفعال الصلاة والزكاة، وبهما يكون شكر الله على نعمه، وإن يعدّوا نعمة لا يحصوها. وخير الأقوال دعاء إبراهيم لمكة وأهلها، ولبيت الله المحرّم، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وقيل: لو قال أفئدة الناس لازدحم العالم بأسره على مكة، ولكنه دعا «من الناس» فهم المسلمون. ولم ينس نفسه بالدعاء، فحمد الله أن رزقه إسماعيل وإسحاق على الكبر، وسأله تعالى أن يجعله وذريته أمّة فكانت أمة الإسلام»، سموا كذلك لأنهم أسلموا لله، وأقاموا له الصلاة، ولم ينس إبراهيم في دعائه أن يسأل الله أن يغفر له ولوالديه وللمؤمنين. وتوجّه السورة الخطاب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، تسلية له وللمؤمنين: أنه تعالى غير غافل عن الظالمين، وإنما يؤخّرهم لليوم المعلوم، وإنه لرسول نذير، ويضرب له وللمؤمنين الأمثال بما كان ممن سبقهم، فأماتهم وأورثهم مساكنهم، ولقد مكروا مكرا لتزول منه الجبال، والله لا يخلف وعده، ويوم الحساب يقرن المجرمون في الأصفاد، وسرابيلهم من قطران، وتغشى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت