فهرس الكتاب

الصفحة 1222 من 2524

جوامع الكلم في السورة قوله: (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) (17) وهو أسلوب في قمة البلاغة للتعجب، وقيل في عتبة بن أبي لهب، وكان قد آمن فلما نزلت «النجم» ارتد، وقال: آمنت بالقرآن كله إلا النجم! فقد ظن أن السورة بها أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربّه؛ فكان عتبة ممن ذكرتهم الآية: وأنزل فيه: (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) يعني لعنه الله وطرده من رحمته، ثم صارت هذه العبارة قولا عاما في الإنسان كجنس، وحكمة يوعظ بها، فما كان عتبة وحده الذي كفر بعد أن آمن، وإنما الكفر ممتد بالإنسان، وإلا فلينظر هذا الإنسان مما خلق، والاستفهام في السورة: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ؟ توليدى كما يقول المناطقة، والجواب عليه لا يكون إلا تفصيلا، فبعد الإيجاز والتعجّب في قوله: (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) يأتي البيان والتفصيل والإقناع في قوله: (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) (22) فوافق بين رءوس الآيات، واستخدم السجع للفت الانتباه، ولخّص حياة الإنسان كلها في هذه الآيات الأربع، منذ أن كان جرثومة في منيّ الرجل لا شأن لها ولا اعتبار، إلى أن تخلّق نطفة، فعلقة، فمضغة، فتكسى لحما وتكتمل جنينا، وتيسّرت ولادته طفلا، ليكبر إلى أن يشيخ ويموت، ثم يأتي البعث بأمر الله، فكان المفروض إذا عرف ذلك عن نفسه أن يؤمن، ولكنه ما فعل، فلم يؤدّ حق الله عليه، ولم يقم بما هو مفروض منه، وقوله: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) (23) فيه ردع وزجر، فلما انتهى القول في الإنسان عن نفسه وذاته وتكوينه، لفته إلى نعمه عليه، وأولى هذه النعم طعامه، وفعل الأمر: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) (24) طلب فيه الحثّ على التفكير والمعرفة بأحوال الطبيعة سواء في الإنسان أو البيئة، وأن ينبنى علم الإنسان بهما على المشاهدة والتجريب والتحليل والاستقراء والاستدلال والاستنباط، وهي أدوات أهل العلم، وكل ما في الكون يقضى بوجود الله تعالى، وأنه لا بد أن يكون له خالق، وأنه قادر ومريد وعالم، وأنه واحد لا إله إلا هو، إلا أن «المستغنى» كما في الاصطلاح القرآني، جاحد ولا يعتبر. والقرآن يلجأ إلى تفصيل الحجج وتبيين الدلالات، ويتناول أسباب حياة الإنسان مهما كان، ويتطرّق إلى طعامه الذي به قوام هذه الحياة، فالماء أنزله الله من السماء، وشقّ له في الأرض سبلا، ويسّر على النبات أن يمهد لنفسه فيها طرقا، فخرج منه الحبّ والعنب والعشب، وأثمر الزيتون، وأنضج النخل بلحا وبسرا، ورطبا وتمرا، وكانت البساتين يكثف فيها الشجر الكريم، فمنه الفاكهة الزكية النكهة، ومنه الأبّ تأكله الدواب وترعاه، وفي كل ذلك متاع وأى متاع للإنسان وللحيوان، فبأى آلائه تعالى يكفر هذا الإنسان ويجحد؟! ألا إنه ما أكفره عن حق، وملعون هو عن صدق، وليس إلا يوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت