فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 2524

لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (61) (الأنبياء) دليل على أن أول محكمة في التاريخ من هذا النوع كانت لمحاكمة إبراهيم، فلما رجع قومه من الاحتفالات بعيدهم رأوا تماثيل آلهتهم محطمة كالجذاذ، وقبضوا على من قبضوا عليهم واستجوبوهم، وخلصوا إلى أن الفاعل كان فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، فقبضوا عليه وعقدوا له محاكمة علنية بمرأى من الناس، لتكون أقواله فيها حجة عليه، وليشهد الناس عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه، أو لعل آخرين يتقدمون ليشهدوا بأنهم رأوه يكسر أصنامهم، وليعلموا أنه يستحق العقاب، واستفهموه: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ) (62) (إبراهيم) ، فقال لهم على جهة الاحتجاج عليهم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (63) ، فعلّق الجواب على اتهامه وتصديقه أو تكذيبه، على الصنم الكبير إن كان ينطق، فنبّه على فساد اعتقادهم، وكأنه كان يستنطق الأصنام الصغيرة أن تشهد إن كانت تنطق، ويستنطق الصنم الكبير أن يكذّب اتهامه، إن كان ينطق، فبيّن أن من لا يتكلم لا يستحق أن يعبد وأبدهتهم حجته: (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) (64) (الأنبياء) ، وهؤلاء كانوا نفرا منهم، لأنه إذا كان هناك رأى، فلا بد أن يكون هناك رأى آخر، ورجوع أصحاب الرأي الآخر هو رجوع المنقطع عن حجّته، المتفطّن لحجة خصمه، كقوله: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) ، ظلموا أنفسهم بعبادة من لا ينطق، ولا يملك أن ينطق، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس؟!! وهذا رأى كان لا بد أن يدحضه رأى آخر: (نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) (الأنبياء 65) ، أي أنهم بهذا الرأي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم، وردّوا إلى كفرهم، فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) (65) (الأنبياء) ، فقال يحاورهم ويردّ على مقالتهم وحجتهم: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ(66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (67) (الأنبياء) ، فقطعتهم حجّته وأفحمهم فيما يتقوّلون، فأصدروا أول حكم من نوعه في التاريخ: (قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (68) (الأنبياء) ، وكان هذا التحريق لإبراهيم مدعاة لمزيد من أحكام التحريق عبرالتاريخ، ومن ذلك «أصحاب الأخدود» الذين ورد ذكرهم في القرآن في سورة البروج (انظر القصة في باب قصص القرآن) ، واشتهر اصطلاح التحريق holocaust أو auto - da - fe ، وفي الخبر أن النمرود بنى صرحا وجمعوا فيه الحطب ثم أوقدوه حتى اشتعلت النار واشتدت، حتى أن أيا ما يمر من فوقها ليحترق من شدّة وهجها، وقيّدوه ووضعوه مغلولا في المنجنيق ليرموا به فيها، وكانت معجزة الله في إبراهيم أن أبطل فعل النار، قال: (يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ) (69) (الأنبياء) ، فلم يحترق إلا وثاقه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت