فهرس الكتاب

الصفحة 1180 من 2524

فإن الله يجعل علمه تعالى بهم علم ظهور، أو علم مشاهدة، لا علم بداء، ولكنه تعالى يعلم بما كان وبما سيكون، ولا يخفى عليه شيء من أمور الكون: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (59) (الأنعام) ، ولذلك كان هذا التفسير قاصرا ولا يصح. والجن في هذه السورة جنس كالبشر، من جنّ أي خفى واستتر، فهم المستترون أو المختفون، استتروا على الإنسان وخفوا عنه. وسفيههم الذي يحكون عنه في السورة هو إبليس، وقوله في الله هو الشطط. والجن لمّا سمعت القرآن آمنوا، وإيمانهم تقريع للعرب أنهم لم يؤمنوا بعد، وذلك في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الآية تقريع للناس جميعا أنهم لا يؤمنون وعندهم كتاب الله حجّة عليهم. وعند الجن فإن أكبر فرية افتراها الإنسان في حق الله أن جعل له تعالى صاحبة وولدا، يعرّضون بديانة النصارى الذين عبدوا المسيح ونسبوا إليه أنه ابن الله من مريم. ونعلم عن الجن أنهم مثلنا، منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، والمسلمون لمّا سمعوا الهدى آمنوا به وأسلموا، فهؤلاء هم الصالحون، لا يخافون بخسا ولا رهقا، وأما القاسطون، أي الظالمون لأنفسهم، فهؤلاء دون الصالحين، وهم فرق وطرق ومذاهب، ظنوا أنهم يعجزون الله في الأرض، ولو قد أسلموا ونهجوا الطريقة المثلى، أي الإيمان، لسقاهم ربّهم ماء غدقا، يعني لوسّع في رزقهم، وهذا هو الغدق المادى، ولرضى عنهم وأرضاهم وأنزل سكينة وطمأنينة الإيمان على قلوبهم، وهذا هو الغدق الروحى أو النفسي؛ والماء الغدق هو نعمة الأخذ بالقيم، كقوله تعالى في آيات أخرى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف 96) ، وقوله لأهل الكتاب: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة 66) ، والبركات جمع بركة وهي الزيادة، يبارك الله لهم في أرزاقهم، ويزيدهم من أفضاله ونعمه، ويوسّع عليهم، وهذا هو الغدق المادى والروحى معا، لا يتحصّلونه إلا بالإيمان. وفي قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ) (1) رواية عنهم فيها الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم بشر من بشر، ولم يرسل إلا للبشر، وأنه ما رأى الجن ولا خاطبهم، وما كان يمكن أن يعلم بقصتهم لولا أن أوحى إليه بها. والإسلام كما هو واضح في السورة ضد اللجوء للجن وما شابه الذي يروّج له البعض ويأخذون به. وتحفل السورة بوجوه البلاغة، كما في الوصف بالمصدر في قوله: (قُرْآنًا عَجَبًا) ، وفيها من بدائع البيان الطباق والجناس والاستعارة والسجع، والأول كما في قوله: (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ) ، و (الْإِنْسِ) و (الْجِنِ) ، و (ضَرًّا) و (رَشَدًا) ، و (الْمُسْلِمُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت