فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 2524

إلى نبيّه الكريم، وتنزّلت عليه قرآنا، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدعا بين الرسل أن أوحى الله إليه، فقد أوحى إلى رسل آخرين من قبله، وهذا القرآن لسانه عربي لأنه مرسل إلى العرب، ولينذر به الرسول صلى الله عليه وسلم أم القرى مكة وما حولها، بأن يوم القيامة - يوم الجمع - لا ريب فيه، وأن الناس في ذلك اليوم فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير - أي جهنم؛ ولو شاء الله لجعل الناس جميعا على دين واحد، وما يختلفون فيه مردّه لله الذي ليس كمثله شيء، وليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة؛ ودينه تعالى المشرّع للناس هو ما وصّى به نوحا، ومحمدا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. فمن كان من الناس يريد حرث الآخرة يزد الله له في حرثه، أي يوفّقه للعبادة ويسهّلها عليه، ومن كان يريد حرث الدنيا يؤته منها وما له في الآخرة من نصيب، وحرث الدنيا هو المال. ويوم القيامة يشفق الظالمون مما كسبوا، ويدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات روضات الجنات، لهم ما يشاءون عند ربّهم. وما محمد إلا رسول، ولم يسأل الناس أجرا على إبلاغه لرسالته، وما كان يرجو منهم إلا (الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (3) ، وأن يراعوا قرابتهم به فيصدّقوه، وينتهوا عن القول بأنه افترى القرآن على الله، ولو افتراه لختم الله على قلبه فأنساه القرآن، وسلبه من صدره، كقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ(44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) (46) (الحاقة) . ولو بسط الله الرزق لعباده في الأرض لبغوا، وإنما ينزّل الأرزاق بقدر وحكمة، وفي الحديث القدسى: إنّ من عبادى ما لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه. وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه». وما يصاب الناس من مصائب في النفس والمال إلا بسبب معاصيهم، وعبّر الله تعالى بالأيدى فقال: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (30) لأن أكثر الأفعال تزاول بها، وهو تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه، ولو يؤاخذهم بكل ما كسبوا لهلكوا، وفي الحديث: «ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثنّى عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه» . ولمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود، ولا نكبة حجر إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» . ونظير ذلك قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) (النساء 123) . وخيرات الدنيا كثيرة، ومتعها لا حدّ لها، وما يؤتى الناس من ذلك من غنى وسعة إنّ هو إلا لأيام وتنقضى، وما عند الله هو الباقي، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هم المؤمنون حقا، وجزاؤهم الجنة؛ والفواحش والكبائر بمعنى واحد، وهي المعاصي؛ وقيل كبائر الإثم هي الشرك، والفواحش

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت