فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 2524

فكيف يلقى النبيّ صلى الله عليه وسلم حتفه وهو موعود منذ بداية بعثته بأنه شاهد؟ والشاهد لا بد أن يحضر الحدث منذ البداية حتى الختام، وهو شاهد يشهد عليهم يوم القيامة، ومبشّر لمن يطيع ربّه ورسوله، ونذير لمن يعصاهما، فأما الطاعة للرسول فتكون بالإيمان بما يبلغهم به، وتعزيره - أي تعظيمه وتوقيره، وأن ينصروه وأن يمنعوه، وفي ذلك طاعة الله تعالى. وليست بيعتهم للرسول إلا لأنهم يبايعون في الحقيقة الله، ولذلك كانت يده تعالى فوق أيديهم: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم بالهداية ويده في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وأما من ينكث ويرجع فإن ضرره على نفسه وليس على الله ولا على رسوله. ومن مصطلحات السورة قوله تعالى: (الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) (11) ، وهو ما أطلقه القرآن على أعراب: غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والدّيل، وكانوا يسكنون أرباض المدينة، وتخلّفوا عن صحبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بأعذار مختلفة، فقالوا: (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (11) ، وردّ الله عليهم قال: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) (12) . وفي السورة كثير من المسائل من المستقبل وصدقت جميعا، وهي إعجاز قرآني لا شك فيه، فالإخبار بالفتح والنصر العزيز، وبما سيحدث في خيبر والمغانم فيها؛ واللقاء الموعود مع أولى البأس، والفتوح الأخرى التي فتحت على المسلمين: كأرض فارس والروم، جميعه من المستقبل. وسورة الفتح تعطى الكثير من الأمل للمسلمين المؤمنين، وتطمئنهم إلى ما سيئول إليه أمرهم، وهي من السور المبشّرات. وفي السورة الثناء على المقاتل المسلم: (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ) (22) ، ولمّا تسللت إليهم جماعة من المشركين قريبا من جبل التنعيم ببطن مكة، وكانوا نحو ثلاثين، وربما سبعين أو ثمانين، يريدون الإيقاع بالمسلمين قبل عقد الصلح، فطن المسلمون لهم وأخذوهم أسرى، وكان ذلك أثناء مفاوضات الصلح، وأعتقهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم المسمون «العتقاء» ، ومنهم معاوية وأبوه، وذلك معنى (كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (24) ، فلما أمكنه منهم وعده بمزيد النصر، ليدخل الأنس على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، فقال: (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) (25) ، وأخبر أن بمكة مسلمين ومسلمات لم يعلنوا عن إسلامهم ويخفونه، ولا يعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين، ولولا كراهة أن يوقعوا بهم ويقتلوا منهم دون أن يعلموا، فينالهم من ذلك الإثم والعيب، لكان إذنه تعالى للمسلمين ولرسوله أن يدخلوا مكة. ولو تزيّل هؤلاء عن هؤلاء - أي لو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت