فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 2524

للعاقلين وليس للغافلين، ولأهل الحجى والبرهان وليس لأهل التباجح والبطلان، فهل للكون من خالق سوى الله؟ وكما أنه الواحد في ملكه فيكون الواحد في عبادته، فكيف يكون أحد ثلاثة كما يقول النصارى؟ وكيف يكون هو هذا الربّ الحقود الغيور الناقم الظالم الذي يتعبّده اليهود، ولو كان كذلك لاختل الكون واضطرب، ولما ارتفعت السماء وانبسطت الأرض. وطريقة القرآن في السؤال والجواب، هي الطريقة المثلى للعلم والمعرفة والتعليم، والنبيّ خير معلّم، والقرآن خير الكتب للتعليم، وكان السوفسطائية يعلّمون في اليونان بالأجر، والعلم والمعرفة سلعتان بمنطق العصر، وبلغة الاقتصاد والسوق، وكان أحبار اليهود وقساوسة النصارى يتقاضون الأجور في مجتمع مكة والمدينة، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معلما بلا أجر، أو أن أجره عند من بعثه، وسؤال الأجر معنى آخر للسؤال، كقوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (72) (يونس) وهي إشارة إلى أن الداعى إلى الله لا ينبغي أن يتقاضى أجرا من مال أو دنيا لقاء دعوته وتعليمه، والدعوة إلى الله عبادة وقربى اليه تعالى، وتعليم القرآن بهذه المقولة من نوع التأديب لهم، فمن الأسئلة ما لا ينبغي أن يوجّه، كقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (101) (المائدة) ، وقوله: (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (46) (هود) ، وكأنه تعالى ينهى عن السؤال، مع أن السؤال عمدة التعليم في الإسلام، وهو أساس الحوار الذي هو منهج التعليم، إلا أن الأسئلة قد تكون من باب الإعنات والعناد، فتلك هي المنهيّ عنها، وقد تكون للعلم والاستزادة منه، ولترسيخ الإيمان، ولاستجلاب اليقين، وقطع دابر الشك، وإنهاء العلم بالظن، وهذه هي الأسئلة التي يجب أن يسألها المؤمنون، وقد سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم يطلبون العلم، وسأله المكذّبون مكابرة، وبعض ما قيل من أسئلة جاء بصيغة: (يَسْئَلُكَ) ، يقول (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ) (153) (النساء) ، و (يَسْئَلُكَ النَّاسُ) (63) (الأحزاب) ، أو بصيغة (يَسْئَلُونَكَ) (189) (البقرة) وهي الصيغة الأغلب والأعم، وتأتي اثنتى عشرة مرة، وتوهم بالعدد الكثير للسائلين وتعظيم أسئلتهم، وبعض السائلين كانوا أفرادا، كسؤال عمرو بن الجموح، أو عبد الله بن رواحة، عن النفقة: كم تبلغ، وإلى من تصرف؟ فكان الجواب على قدر السؤال، فعدّد مصارفها، قال: (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (219) (البقرة) ، وقال: (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (215) (البقرة) ، وقال: (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت