فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 2524

أن سليمان استخدم الجن لعلمهم ومهارتهم، والجن إذن من ثوابت القرآن، وليس في القرآن أن نبيّنا تعامل مع الجن أو خاطب الجن، وكل ما فيه أن الجن استمعوا إلى القرآن، كقوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) (الأحقاف 29) . وفي القرآن يتكرر الخطاب والرواية عن الجن والإنس، إحدى عشرة مرة، ومنها مرتان كان الخطاب فيهما لهما معا، فكانت الجن تقدّم على الإنس: (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (33) ، فنفهم أن الجن بمصطلح سورة الرحمن هم: «أثقل الثقلين» . واستهلال آلاء الله على الإنسان بالقرآن، دليل على أن القرآن هو نعمة الله الكبرى، ويسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان. وتخلص السورة إلى بقية الآلاء في تراتب قيمى، فبعد القرآن، والإنسان، والبيان، تأتي الشمس، والقمر، والنجم، والشجر، والسماء، والمقصود تعداد ما أنعم الله به على نوع الإنسان، حثّا لهم على شكره، وتنبيها على تقصيرهم في هذا الشكر. وكل هذه الآيات خلقها تعالى بميزان، أي بتقدير وحساب، فالميزان شرعته تعالى، وبدون الميزان لا يستقيم الكون، ومن ثم كانت موعظته تعالى للإنسان بأن يقيم الوزن بالقسط، أي بالحساب والتقدير، بحسب القصد والغاية، فبالميزان وضع الله تعالى الأرض كوضعه للسماء، ويسّر الأرض للناس، فكل شيء لا بد أن يكون بميزان وبغاية، والأرض كانت كذلك بغاية معاش الإنسان، فذلّلها له، وخلق له فيها كل ما لذّ وطاب، ومن الإعجاز الفكري والحضارى للقرآن أن خلقه جاء قبل خلق الإنسان، لأنه قبل خلق الإنسان لا بد أن يوجد سبب للخلق، وأن يحدّد للإنسان منهج، والقرآن خلقه الله للإنسان ليرجع إليه، وكل علم لا بد فيه من مرجع، والقرآن هو الكتاب المرجع الأكبر، والقراءة والكتابة أساس كل حضارة، والبيان هو أعلى علوم الإنسان، ولذا قال تعالى في سورة الرحمن: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (4) ، فكان القرآن أولا قبل الإنسان. ومن الإعجاز العلمي: أن الشمس والقمر بحسبان، والحسبان عند العرب هو الرحى، يعني قطب الشمس أو القمر، فهما يدوران في مثل القطب، فنبّه القرآن إلى دورانهما حول نفسيهما، وحول كواكب أخرى، ولكل نظامه، مثلما للنجم والشجر نظامهما، وسجودهما يعني انتظامهما في النظام المنوط بهما، كقوله تعالى في سورة النور: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (41) ، وقوله في سورة الإسراء: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (44) ، ونفهم أن يكون للملائكة والإنسان تسبيح وصلوات، لأن لهما عقول وفهوم، وأما الشجر والحيوان والطير والنجوم، فهي مسخّرة، وصلاتها وتسبيحها هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت