فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 2524

أولا، إلا أن السورة بدأت بمشاهد يوم القيامة تخويفا للناس، فجعلهم لذلك إما محسنين فيزدادون رغبة في الثواب، وإما مسيئين فيرجعون عن غيّهم، فقدّم أصحاب اليمين ليسمعوا ويعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، وبعد ذلك ذكر السابقين، لأن هؤلاء لا يرهبهم يوم الفزع الأكبر، ولا يحزنهم، ولا يكدّرهم؛ ولأنهم بذكره ينبسطون، وتنشرح له صدورهم، وتبتهج قلوبهم، لما ينتظرهم من جوائز الله، وهم (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) (13) ممن مضى من الأمم السابقة، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (14) من أمة محمد، كانوا قلة بالإضافة إلى من كانوا قبلهم، فمن سبقوا زمنيا كان أنبياؤهم كثيرين، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمة محمد، وفي الحديث: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني» ، فالأمر سباق بين الأمم إلى طاعة الله، وفي السباق هناك المتقدّمون والمتأخرون، والسابقون من الأمم كافة يكونون أكثر من السابقين من أمة واحدة، وأما أصحاب اليمين من هؤلاء وهؤلاء فهم متساوون: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ(39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (40) ، وقيل بل الثلتان من أصحاب اليمين، ومن السابقين من أمة محمد، فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها، مثل قوله: (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ) (فاطر 32) . وفي الحديث: «خيركم قرنى» . والثلّة: من ثللت الشيء، أي قطعته، فمعنى ثلة كمعنى فرقة. وتستطرد السورة في القسم الثالث إلى وصف نعيم السابقين ترغيبا لأهل السبق، وجنّتهم التي خصصت لهم هي جنة النعيم، والجنات أنواع؛ وسررهم أو مجالسهم فيها موضونة، أي منسوجة ومرمولة بخيوط الذهب؛ يجلسون متقابلين ويخدمهم ولدان لا يكبرون في السن ولا يشيخون، ويشرف على خدمتهم حور عين، واسعات العيون، في غاية الجمال والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، يطوفون بأكواب وأباريق وكئوس ملؤها الخمر، يجلبونها من العيون، فلا تستخرج بعصر وتكلّف كخمر الدنيا، ولا تنصدع بها الرءوس، ولا تذهب العقول، ويقدّمون لهم الفاكهة مما يحبون ويختارون، ولحم مما يشتهون من الطيور، جزاء ثوابا بما كانوا يعملون. وفي جنة النعيم لا لغو ولا تأثيم، ولا باطل ولا كذب، إلا قيلا سلاما، فيردّ السامع يقول: سلاما - فهذه تحيتهم، وهكذا تحييهم الملائكة. وفي الجزء أو المشهد الرابع: تقارن السورة بين أحوال السابقين وأحوال أصحاب اليمين، والأخيرون ظلّهم ممدود، أي دائم وباق لا تنسخه شمس؛ ويشربون الماء الجارى المسكوب؛ وفواكههم كثيرة لا تنقطع كانقطاع فواكه الدنيا في الصيف والشتاء، ولا يحظر بعضها ويباح بعضها؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت