فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 2524

بعلمه ثانيا، لأن العلم يؤدى إلى الإيمان وليس العكس، والإيمان هو الغاية من العلم، فأهل الإيمان مقدّمون على أهل العلم. وتتطرق السورة إلى مجال آخر من مجالات الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول: (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (12) ، ومناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أن يخلصه بسرّ، وكان المسلمون يكثرون المسائل عليه حتى شقّوا عليه، وكان بعضهم يشغلونه ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونه بالنجوى، فشقّ عليهم ذلك، فأمروا بالصدقة عند النجوى ليقطعوا عن استخلائه. وكان اليهود والمنافقون يناجونه ويقولون: هو أذن يستمع لكل شيء ولا يمنع أحدا من مناجاته. ولم يذكر لصدقة النجوى أي مقدار معين، فالأمر متروك للمتصدّق، وإن لم يجد فلا شيء عليه، وبعضهم كالمنافقين، كانت الصدقة بوسعه ولكنه بخل، فنزلت الآية: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) (13) ، والتوبة تعنى إعفاؤهم منها، وذلك ليس نسخا للآية قبلها كما قيل، وإنما هي تأكيد لما قبلها في قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (12) ، وتكفى الزكاة وأداء الفرائض لأمثال من أراد أن يستعفى من صدقة النجوى. وقيل إن أحدا لم يتقدم بشيء من هذه الصدقة، والذين نسبوا لعلّى أنه كان أول من تصدّق، ولم يكن أحد بعده، ادّعوا ذلك ليقدّموه على غيره، وهؤلاء من شيعته، وقالوا إنه تصدّق بخاتم. وواضح من الآيتين بعد ذلك في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (14) وقوله: (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (16) أن الذين كانوا يشوّشون على تعاليم القرآن وتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم هم المنافقون واليهود، ومن الأولين عبد الله بن أبيّ، وعبد الله بن نبتل، وكانا يجالسان النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم ينقلان ما يسمعان إلى اليهود، وإذا عوتبا كذّبا التهمة وحلفا بالله أنهما لصادقان. وفي أمثالهما نزلت الآيات المتبقية من سورة المجادلة، تنبّه إلى العذاب المنتظر لهؤلاء، ولكل من يحادّ الله ورسوله، والله غالب على أمره، وتحذّر المؤمنين أن يوادّوا من حادّ الله حتى لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وتقسّم الناس إلى حزبين: حزب الشيطان: وأعضاؤه الكاذبون الذين نسوا الله، وهم من المترفين أصحاب المال والحسب والنسب، وحزب الله: وأفراده من المؤمنين الذين يعمر الإيمان قلوبهم، والذين يؤيدهم الله بروح منه، ولا يحادّون الله ورسوله، ولا يوادّون من حادّ الله. والأوّلون حزبهم هو الخاسر، والآخرون حزبهم هو الفالح.

ومن مصطلحات هذه السورة: الجدل في قوله تعالى: «التي تجادلك» ، وهو حوار بين أطراف لبلوغ الحقّ، ودعوة إلى كلمة سواء، وكانت حجة خولة بنت ثعلبة قوية في رفض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت