فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 2524

الله تعالى للمسلمين أن يكونوا في مواجهة أعدائهم صفا واحدا كالبنيان: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) (4) يستحيل عليه اختراق تماسك جماعتهم، والترويج لإشاعة الفرقة بينهم، وضرب جبهتهم الداخلية، ولا يمكن أن تخرج أهداف أي جيش عن طلب النصر والفتح، فهذان ما يحب أن يحققه كل جندى، وينشده أي قائد، ومنهج القرآن لبلوغ هذه الغاية: هو تربية الجماعة على أن تقول ما تفعل، وأن لا تعد إلا بما في استطاعتها أن تفعله، ولا تأخذ على عاتقها أن تقوم بأي عمل إلا ما كانت تقدر عليه. ومنهج الإسلام في التربية: أساسه الإيمان بالله، والثقة فيه، والتوكل عليه، والاعتقاد بأنه الهادى، وأنه لا يمكن أن يتخلّى عن المؤمنين، وتصديق النبيّ صلى الله عليه وسلم، والطاعة له كرسول وقائد ومعلم؛ ومحصلة ذلك: أن يجاهد المؤمنون كما طلب منهم، طالما كان الجهاد بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وطاعة لله تعالى؛ والجهاد نوعان: بالنفس وبالمال، ومن يأخذ بهذا المنهج فهو الرابح في تجارته، فقد اشترى آخرته بدنياه، وضمن الدنيا والآخرة، وتحقق له الفوز، ولنا في نبيّين مثل نبيّنا أسوة، فبنوا إسرائيل آذوا موسى أشد الأذى، مع أنهم علموا أنه رسول الله إليهم، وضلّوا عن السبيل فأضلهم الله، ثم أرسل إليهم عيسى، مصدّقا للتوراة، ومبشرا بنبيّ بعده اسمه أحمد، فجحدوه وافتروا على الله الكذب، والنبيّان كانا من أولى العزم، وقوبلا بما قوبلا به، يريد الله بقصتيهما أن يسرّى عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم ويسلّيه، ويرفع معنويات المسلمين، والله لا يمكن أن يحقق للكافرين النصر، وإنما النصر والفتح للمؤمنين، ولا يمكن أن تتاح للكافرين فرصة أن يطفئوا نور الله بأفواههم، يعني يفشّلوا دعوته إلى الحق بما يذيعون من افتراءات وأكاذيب وتخرّصات وإشاعات، ودين الله هو الظاهر حتما ولو كره الكافرون. والسورة تحفل بالمصطلحات والصور البلاغية والأمثلة والحكم، ومن ذلك اسم أحمد، وهو اسم نبيّنا، بشّر به عيسى، وكانت لنبيّنا أسماء عدة، وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لى خمسة أسماء» ، ذكر منها محمد، وأحمد، ولم يذكره عيسى باسم محمد، لأن حمده لربّه كان قبل حمد الناس له، فهو أحمد أولا لأنه دائم الحمد لله، ثم هو محمد لأن الناس صارت تحمد خصاله وخلقه. وفي الحديث أيضا: «اسمى في الإنجيل أحمد، واسمى في القرآن محمد» ، وهما اسمان منقولان من صفة، وكل الأنبياء حامدون لله، ومحمودون من الناس، إلا أن أحمد صيغة أفعل التفضيل، فنبيّنا أحمد الحامدين، أي أكثرهم حمدا، وهم محمودون ولكنه محمد، كالفرق بين الممدوح والممدّح، ونبيّنا قبل البعث كان أحمد، وصار بعد البعث محمدا؛ وأما مصطلح «التجارة» في قوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (10) فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت