فهرس الكتاب

الصفحة 1215 من 2524

وفي قصة موسى مع فرعون، تربط السورة بين ما جرى لفرعون عند ما أنكر موسى وما يمكن أن يجري لقريش بإنكارهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم. ويتهم المستشرقون النبيّ صلى الله عليه وسلم بالنقل عن التوراة لمّا احتك باليهود في المدينة، وأن ما تعلمه من اليهود أذاعه ضمن القرآن كوحى من الله. غير أن سورة النازعات تثبت بطلان ما زعموا، لأنها من السور المكّية، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم وقت نزولها قد عرف اليهود بعد! وما ورد في السورة عن موسى وفرعون لا يختلف في كثير أو قليل عمّا ورد عنهما في السور المدنية، الأمر الذي يثبت أن كل ما ورد بالقرآن، على ظن أنه منقول من التوراة، ليس إلا وحيا، وأنه جاء مصدقا بالتوراة إلا ما حرّف منها. واسم النازعات - كعنوان للسورة - من قوله تعالى في بدايتها: (وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا) ، يقسم بالنازعات، وهم صنف من الملائكة من خمسة أصناف جرى القسم بهم في مقدمة السورة، وهم أولا: النازعات الذين وصفهم بالغرقى، لأنهم الملائكة المنوط بهم الإماتة للأحياء، والإفناء للأشياء، ولأن عملهم يستوجب العنف، ويستغرقهم، كإغراق النازع في القوس أن يبلغ به غاية المدّ، وكل نزع يستلزم القوة، فهم أقوياء، وعلى الأرجح شداد غلاظ، وقيل في ملك الموت أنه ينزع الأرواح كما ينزع اللحم عن السّفّود - وهي الحديدة التي يشوى عليها، فيكون اللحم ملتصقا بها يتطلب نزعه جهدا. وكذلك الأشياء يتطلب إفناؤها نزعا يستغرق النازع. وأما الصنف الثاني فهم: الناشطات نشطا من الملائكة، وهم العمّال والشغّيلة، كمثل شغّيلة النمل أو النحل، يدأبون على العمل لا يملّون ولا يكلّون. والصنف الثالث من الملائكة هم السابحات سبحا، يسبحون، أي يسيحون ويجولون في الكون، فهم يستكشفون ويراقبون. والصنف الرابع هم: السابقات سبقا، لأنهم يسبقون إلى الإبلاغ إلى ربّهم وعن ربّهم، وينقلون عن الملائكة السابحات وإليهم. وأما الصنف الخامس فهم: المدبّرات أمرا، وهم الملائكة، يدبرون قضاء الله وأمور الناس والعالم، وأحوال الأرض والطقس ونظام الكون، وكان الناس في الديانات الوثنية ينسبون التدبير للنجوم، وما يزال ذلك دأب المنجّمين. وجواب القسم لما سبق: هو أن البعث حق، ويوم القيامة صدق، وأنه يوم يتزلزل فيه الكون ويرجف، وتوجف القلوب. وقيل عن الراجفة في السورة: أنها الصيحة الأولى التي تكون بها الزلزلة وفناء كل شيء، وأن الرادفة: هي الصيحة الثانية تردف الصيحة الأولى وتتلوها، ويقوم بها الأحياء سعيا إلى الله، وفي الحديث: «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة: جاء الموت بما فيه» ، والنصف الأول من الحديث يفسّره النصف الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت