فهرس الكتاب

الصفحة 1236 من 2524

الحساب فعلمهم مصيبة عليهم، وإن كانوا لا يعلمون فمصيبتهم أدهى وأمرّ؟! واليوم العظيم: تعريف بيوم القيامة: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (6) : يقومون عقابا وعذابا، فلأن ذنبهم عظيم فإن يوم حسابهم كان عظيما. ويبدأ الجزء الثاني من السورة بالردع والتنبيه ويحفل بالمتقابلات، يقول: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ(7) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (8) كِتابٌ مَرْقُومٌ) (9) ، وتقابل: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ(18) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (19) كِتابٌ مَرْقُومٌ) (20) ، فكلّا في الآية الأولى كلمة ردع وزجر، وكلا في الآية الثانية تعنى حقا؛ والفجار تقابل الأبرار، والفاجر هو الذي ما عاد يخشى أحدا ولا يهمه حساب ولا نار ولا قيامة، وعكسه البار من البرّ الذي هو الخير. والفجّار يناسبهم سجين، وهو أحط درك من دركات جهنم، وكأنه السجن الذي لا يوصف لفرط بشاعته، وقيل لذلك ربما هو ضرب مثل وإشارة إلى أن أعمالهم السيئة لا تصعد إلى الله، وإنما حبيسة الدناءة والسفالة اللتين كانتا له؛ وعكسه علّيون: أي الذرى حيث الجنة، فإذا كان الفجار في أسفل سافلين، فالأبرار في عليين. وقوله: «وما أدراك ما سجين» ، «وما أدراك ما عليون» استفهام للتعظيم والتهويل، يعني: هل تعلم ما سجين، وما عليون؟ والكتاب المرقوم أي المرقّم، فلم تسقط منه ورقة، ولا ضاع منه شيء، وإنما هو كتاب محفوظ. والمكذّبون في السورة الذين يتوعدهم، كذّبوا بيوم القيامة وبالبعث والنشور، وهم في التعريف معتدون آثمون، كلما تلا عليهم القرآن ألغوا فيه وقالوا أساطير الأولين، يعني خرافات السابقين من الأمم، ومن هؤلاء كان الوليد بن المغيرة، وأبو جهل ونظراؤهما، كسبوا الكفر فران على قلوبهم، والران هو أن تتراكم الذنوب على بعضها، فكلما أذنب ذنبا اسودّت نقطة في القلب وصار الذنب كالثقب، حتى ليصبح القلب كالمنخل أو الغربال الصدئ، ويوم القيامة يحجب عنهم ربّهم رحمته، ويصلون الجحيم جزاء وفاقا. وأما الأبرار: فكتابهم مفخرة لهم، ومن فرط طهارته فإن الملائكة تقبل عليه وتنظر ما به من صالحات. والنعيم مقام الأبرار؛ وللنعيم نضرة، وسقياهم من رحيق مختوم بالمسك، ومزاجه من تسنيم، جاء في تعريفها أنها عين يشرب بها المقرّبون، وكل ذلك من الغيب ونتصوره فنرضى به ونسعد وتشحذ هممنا إليه، ويتنافس عليه المتنافسون. وخلاصة هذا النعيم في الآية: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (السجدة 17) . وعكس هؤلاء وفي مقابلهم المجرمون وكانوا يستهزءون بالمؤمنين ويتغامزون عليهم ويتفكهون بهم في رواياتهم، ويصفونهم بالضلال، مع أنهم لا شأن لهم بهم، ولم يوكلوا عليهم، وها هي الآية قد انقلبت فصار المؤمنون في النعيم يضحكون مما آل إليه أمر الكفار. نسأله تعالى أن يرينا في المجرمين بعض الذي وعدهم، وهو عليهم مقتدر، وحسبنا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت