فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 2524

وبالليل مقبلا، أو بالنور والظلمة، وفي الليل يظهر القمر ويتسق، أي يستدير ويكتمل، وكل ذلك آيات دالة على قدرته، والذي صنع وأبدع وسوّى كل ذلك يقدر أن يبطله ويزيله ويمحوه يوم القيامة، فالعالم ليس للأبد، فلكل ما خلق عمر ينصرم وينقضى، وفي النهاية تأتي الساعة وتكون القيامة. وقوله: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (19) جواب القسم، والحياة أطباق، يعني أحوالا وأطوارا، والناس فيها من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن ذلك طور الموت، وطور البعث، وطور الخلود في الجنة أو في النار. وكل مخلوق من جماد ونبات وحيوان له أطوار، ويركب طبقا بعد طبق، وهذا إعجاز علمي في القرآن، ونظرية الأطوار في القرآن ليس فيها أن الإنسان كان قردا كما يقول دارون، وإنما أنه مرّ بالحالة الحيوانية، كما مر بالحالة النباتية Vegetative ، وهذه الحالة الأخيرة تعنى أنه كان في مرحلة ينمو ولم تنضج عنده الغرائز بعد، فإذا نضجت انتقل إلى المرحلة الحيوانية، أو ركب الطبق الحيوانى، وقبل المرحلة النباتية يمرّ بالمرحلة الجمادية، فكان لا يعدو العناصر الستة عشر التي تتركب منها الكائنات، وبعد المرحلة الحيوانية تكون المرحلة الإنسانية الخاصة بالجنس البشرى homo sapiens ، ويتميّز فيها الإنسان بالعقل والوعي، ويتمثّل المستقبل، ويكون له مشروع، وهذه هي مرحلة الإنسان العامل، ثم تأتي مرحلة الإنسان الحكيم أو العالم بعد الإنسان العامل، ثم مرحلة الإنسان العابد - وهي أعلى مراحل الرقيّ. فإذا انتهى العمر ركب طبقا آخر يحمله إلى غيب لا يعلمه إلا الله. وكل ذلك أفكار تثيرها وتذكّرنا بها السورة، وتدعونا إلى التفكّر والتدبّر، فيأتي السؤال: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(20) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) (21) ، وهو استفهام إنكارى، ينكر على أهل الكفر كفرهم، ويتعجب من موقفهم، ويوبّخهم على ترك الإيمان بعد كل هذه الآيات. وليس من سبب لموقفهم هذا إلا أن قلوبهم قد ران عليها، وصارت غلفا، وعميت أبصارهم حتى صاروا لا يعقلون ولا يفقهون، والله أعلم بما يضمرون من التكذيب والكفر، وما يكتمون من النوايا الخبيثة، وما يفعلون من الأعمال السيئة وتختتم السورة بمقارنة حال هؤلاء بحال المؤمنين الذين يعملون الصالحات، كطريقة القرآن دائما إذا ذكر الكفر والكافرين والعذاب بجهنم، قابل ذلك بذكر الإيمان والمؤمنين، ووعد النعيم بالجنة، فإن كان العاصون قد نالوا أجرهم في الدنيا، فأجرهم ينقطع بالموت، وأما أجر المؤمنين فموصول بعد الموت وباق أبد الآبدين.

ومن المصطلحات في هذه السورة: «الحساب اليسير» : قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك العرض» ويكون بعد الموت مباشرة، ويقابله الحساب العسير يوم القيامة. من الأمثلة في السورة قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (6) : والمعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت