فهرس الكتاب

الصفحة 1260 من 2524

من (أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ) وهم أهل النار. وقيل: السورة نزلت في أبى الأشد بن كلدة، وكان جبّارا في الأرض عصيا، ينفق المال بسخاء في محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناوأة الدعوة. وتحفل السورة بالمصطلحات، ومن ذلك قوله تعالى: (لا أُقْسِمُ) : لا يريد به نفى القسم، ولكنه كقولنا: «لا والله لا فعلت كذا» ، و «لا والله ما كان كذا» ، و «لا والله لأفعلن كذا» ، وهو أسلوب متبع في القرآن ويتكرر ثماني مرات، كقوله: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) (1) (القيامة) ، (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (2) (القيامة) ؛ والبلد: هي مكة، وهي البلد الحرام، أم القرى، شرفت بالكعبة بيت الله، فكانت مقصد الحجيج من الشرق والغرب، وبها ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم وبعث، وفيها بزغت شمس الإسلام، وعلى أرضها نزل القرآن، فحقّ أن يقسم بها الله تشريفا وتعظيما لها على سائر البلاد، كما حقّ أن يقسم بمن ولدوا فيها من الأطهار، ومنهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان للمؤمنين والدا، وفي الحديث: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة، ومن ثم أقسم الله تعالى بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبأمّته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عليه السلام؛ وقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) (4) أي في شدّة وعناء ونصب، فكابد الدنيا والشهوات والأهواء وتحصيل لقمة العيش، نقول: تكبّد اللبن إذا غلظ وخثر واشتد، ومنه الكبد لأنه دم متغلّظ؛ والآية القرآنية ذهبت مثلا وصارت من مآثر الأقوال، والله لم يخلق خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، فقد خصّه بالوعي، وعلّمه التاريخ وأن يكون له مستقبل يكابد لتحقيقه؛ وكذلك ذهب مثلا قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) (5) يقال كلما زاد طغيان الطاغية؛ والنجدان: هما طريق الخير والشر، هدانا الله إليهما هداية دلالة؛ وقوله: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (1) : يضرب به المثل لمن لا يصرف جهده إلى اقتحام الصعاب وطلب المعالى؛ والاقتحام: هو رمى النفس بلا روية، والعقبة: المرقى الصعب، وإنه لمرقى صعب أن يؤمن من يؤمن، وأن يفعل الخير، ولذا قال تعالى: (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) (12) ؟ تضخيما في صعوبتها. ومن العقبة: أن نفك حصر العانى، وأن نساعد المحتاج - في زمن قلّ فيه العمل، وزادت البطالة، وندر المال حتى لكأن الناس في مجاعة - وأن نعيل المساكين الذين لا مكان لهم إلا الشوارع، وبالاختصار فإن أعمال البرّ هي المرقى الصعب، وهي العقبة الكئود، لفطرة الإنسان على الشّح والبخل، وأصحاب الميمنة: هم الذين يؤتون كتبهم بيمينهم يوم الحساب، وهم أصحاب الجنة؛ وأصحاب المشأمة هم الذين لا يقدرون على حمل كتبهم إلا بشمائلهم، وهم أصحاب النار المشائيم على أنفسهم. نسأل الله أن نكون من أصحاب الميمنة ولا نكون من أصحاب المشأمة، والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت