فهرس الكتاب

الصفحة 1292 من 2524

فى القرآن ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وسياق السورة يزهّد في زيارة القبور فلا شيء فيها إلا التراب، وأما الأحباب فعند الله، فما كان من تراب فمآله للتراب، وما كان من الله فإليه يعود، والثياب إذا بليت ألقى بها، فكذلك الأجساد، وذلك دليل على أن الإنسان روح وليس جسدا. فإذا كانت زيارة القبور للاتّعاظ والاعتبار، ولوجه الله تعالى، وإصلاح فساد القلب، فذلك أليق وأنسب، ومن يرد علاج قلبه من القساوة، فعليه أن يكثر من التفكّر في الموت، والتفكير فيه يميّز الإنسان عن سائر الموجودات، وكذلك مشاهد المحتضرين، وعيادة المرضى في مرض الموت، والسير في الجنازات، وزيارة القبور، فهذه أربعة أمور تؤتى كعلاج نفسي ديني. وليس كذكر الموت تنبيه للغافل بما إليه المصير، وليس كمشاهدة المحتضرين مدعاة للتفكير، وليس كزيارة القبور موعظة للقلب اللاهى، والخبر ليس كالمشاهدة والمعاينة. والتكرار في قوله تعالى: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (4) : في الأولى يتأتى العلم عند معاينة الموت، وفي الثانية يتأتى العلم عند البعث؛ وقيل: في الأولى يتأتى عند انتزاع الروح، وفي الثانية عند دخول القبر وسؤال منكر ونكير؛ وقيل: إن عليّ بن أبي طالب قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة - يشير إلى قوله تعالى: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني في القبور، والحديث مشكوك فيه، لأن السورة مكية! ووقتها لم يكن عليّ قد أدرك بعد، وإنما متعلق القسم في السورة بما بعدها: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ(6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) (7) ، والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. فلما نزلت: (لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (8) قيل إن أبا بكر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكلة أكلوها معا، وكانت مجرد تمر وماء، هل هي من النعيم الذي يسألون عنه؟ فأجاب: «ذلك للكفار» ، ثم قرأ: (وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (17) (سبأ) ، يعني: لن يسأل عن النعيم إلا أهل النار، فلمّا كفروا يسألون عن كل شيء كان من النعيم حتى الماء والهواء! وهؤلاء يرون الجحيم مرتين: مرة بعين قلوبهم تصوّرا وتخيّلا، ومرّة بعين رءوسهم مشاهدة ومعاينة، فما كان «علم يقين» يصير «عين يقين» . والنعيم المسئول عنه في السورة: يتراوح بين الضروريات والكماليات، فعن أبي هريرة أن الناس تساءلوا: أي نعيم، نسأل عنه؟ فإنما هما الأسودان: التمر والماء، يعني ما كان إلا شظف العيش، فقال الرسول: «إن ذلك سيكون» ، يعني حتى الأسودان تسألون عنهما، أو يسأل عنهما كل جاحد كافر بأنعم الله، وأما المؤمن فهو مقرّ بنعم الله وشاكر حامد عليها، ويتحدّث بها دوما ثناء على الله. ومضمون سورة التكاثر: أن النعيم هو نعيم المتكاثرين المتباهين المترفين، وفي القرآن أن الإنسان لا يسأل يوم القيامة عمّا كان يسد به جوعه، ويروى عطشه، ويستر عورته، ويحتمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت